أعادنا سجال عابر، او لنقل "متفلت" من موجبات "التسوية" الداخلية، حول أولوية الوحدة على المقاومة او المقاومة على الوحدة، بين نائب من "حزب الله" ونواب من قوى 14 آذار، الى ركن قاتم في المشهد اللبناني قد لا تكون لأي من الطرفين وسواهما اي مصلحة الآن في تسليط الضوء عليه، لكنهما فعلا ذلك، ولو في اطار محدود لهذا السجال.
ذلك انه اذا كان من المسلّم به ان لا وحدة لبنانية شاملة على المقاومة، فان من المسلّم به ايضا ان لا وحدة لبنانية في المطلق على معظم الاساسيات والمبدئيات الاخرى التي تبيح "ترف" الكلام على وحدة.
يوحي هذا السجال، على محدوديته، برمزية اكبر من حجمه لانه انزلق رأسا الى "زلات اللسان" التي غالبا ما تعكس الاحتقانات والدواخل الحقيقية اكثر من التعبير المنمق والملطف الذي تفرضه موجبات التسوية. وما كان الامر ليسترعي اهتماما خاصا لولا ان هذا النوع من السجالات يحصل وسط احتقان داخلي صاعد جديد يمكن قراءة عناوينه وملامحه من زوايا مختلفة.
فثمة اولاً تساؤل مشروع وواقعي للغاية عن "الوظيفة" المتبقية لطاولة الحوار في بعبدا المقبلة على جولة قريبة في منتصف الشهر الجاري.
في الاساس كان واقع الحوار عرضة لتشكيك عميق في جدواه، ولم يخطئ المشككون. اما الآن فان "قيمة مضافة" جديدة ستزيد التشكيك وتفاقمه بعدما انقلب الحوار الى اداة ضغط على الرئاسة لانتزاع مواقف منها تجعلها اقرب الى فريق بعينه، وما حصل في الحملات السابقة مرشح للتكرار مرارا وعند اي هبّة.
وثمة ثانيا تساؤل اكثر من مشروع وواقعي، يتصل بمزاج الاستقواء السياسي الجارف الذي عاد يظلل الوضع الداخلي ويهيمن عليه ويسيّره وفقا لاتجاهات "فريق الممانعة". بطبيعة الحال لا يمكن "الفريق السيادي" ان يعفي نفسه من مسؤولية المساهمة على الاقل في توفير بعض الجوانب الداخلية، التي شكلت هدايا لشريكه الخصم في الحكم والحكومة والمؤسسات.
لكن المثير للمحاذير الكبيرة والجسيمة هو ان يمعن فريق 8 آذار بكل تلاوينه في اقتناص فرصة تحولات خارجية، هي بطبيعة الحال لمصلحته، ويذهب في اتجاه محاولة تغيير المعادلة اللبنانية رأسا على عقب، قضمة قضمة، تشي بذلك بكل وضوح نبرة فوقية تبدو سكرى بهذه التحولات وتثير الشبهة في احلام تبديل المعادلة في جوهرها مع كل ما يعنيه ذلك من اثارة الشياطين والكوابيس والمخاوف لدى الشريك الآخر وفئاته السياسية المتعددة.
ويستتبع هذا الامر ايضا التساؤل عن مدى صلابة التسوية في الداخل والغطاء الاقليمي لها، متى عادت المعادلة اللبنانية عرضة لتغيير الرياح الخارجية وتموجاتها. فأين الحد الادنى من التفاهم على الاساسيات؟ واين مشروع الدولة من هذا التموج الخطير؟
وثمة ثالثاً، ولعلها الأخطر، عودة كابوس 7 ايار فورا الى مفردات التعبير، تلميحا او تهويلا، بقصد ومن دون قصد، وغالبا بافراط في الانفعالات على ضفتي المتساجلين. مفاد ذلك في اقل الحدود ان التسوية الداخلية لا تزال في طور تجريبي اولي ليس من المناعة الكافية بحيث يزيل الى ما لا نهاية هذا الكابوس. كما ان ثمة روافد من هنا وهناك، في الملفات التي تفتح وتقفل في يوميات السياسة اللبنانية، غالبا ما تعيد تحريك قعر الاحتقانات الراكدة عند هذا المنعطف الفتنوي، مما يجعل اي كلام على وحدة ومتوحدين وحكومة وحدة وما اليها من مشتقات، اشبه بغنائيات وجدانية لا مكان لها تحت شمس الواقع السياسي والطائفي والاجتماعي الداخلي. وبذلك تبدو المفارقة التي تثيرها بعض هذه السجالات، هي ان خطرها الحقيقي يكمن في شدة شفافيتها وعفويتها في التعبير عن حال "الوحدة" المدمرة في لبنان!