#adsense

شرور الحقيقة المكبوتة

حجم الخط

أغرب ما في المواقف المساقة ضد لجنة التحقيق الدولية والمحكمة، أنهما ستؤديان الى اشعال الفتنة في لبنان. المقصود، طبعا، الفتنة الشيعية – السنية.
والمقصود ايضا ان اي اتهام لـ"حزب الله" او لعناصر منه بالتورط في جريمة اغتيال رفيق الحريري والآخرين، كاف لتحريك هذه الفتنة، وكأنها في حال كمون وانتظار، منذ 7 ايار، ولا تحتاج الا الى عود الثقاب، او صاعق التفجير، المسمى اتهاما.

هناك اذا عفاريت نائمة تنتظر من يوقظها ومن يخرجها من غفلتها ومن يحرك شهيتها… وكأن كل الكلام على المصالحة والتوافق والوحدة الوطنية، بأدبياتها وحكومتها ولجانها وهيئة حوارها، قبض ريح وهدوء خادع يسبق العاصفة.

ولكن، لا احد من المهولين بالفتنة وبـ"المؤامرة" الدولية، يشرح لنا الرابط بين الاتهام المفترض (غير الموجود حتى الآن كما قال السيد حسن نصرالله)، وهذه الفتنة "الفاتنة"، المتربصة، الباحثة عن سبب وعن منفذ وعن شعاع حار كي تلتهب اسلاكها وتنفجر!

في تاريخ الامم الحية، تشكل الحقيقة رشدا لقادتها وهديا لاهلها. في كتب الروحانيات والاخلاقيات ان "الحق يحرر"، والصدق نبراس الحياة، والحقيقة سلم الارتقاء، والامانة ميزان العلاقات، والصراحة بلسم الجروح.

فلا وجوب للخوف من الحقيقة. قد تحدث اهتزازا او صدمة او ارتباكا او ذهولا حين تخرج الى العلن. ولكن، سرعان ما يهدأ الارتجاج ويروق الصخب وتخف الصدمة ويستكين النو.

ولا خوف من العدالة والعقاب، "ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب".
ولا شيء يضمن الاستقرار اكثر من الحقيقة المقرونة بالعدالة.
لا يكفي اعلان الحقيقة فقط، فهي تظل اذذاك تحفر في الضمائر والوجدانات اذا لم تترجمها العدالة الى فعل عقاب وثواب.

لنتخيل ان المحكمة احجمت عن اعلان الحقيقة خوفا من الفتنة في لبنان، ونزولا عند تمنيات وتدخلات، انه التسييس الاخطر. فهل هناك اخطر من بقاء الحقيقة سجينة العقول والقلوب، تفعل فعلها المدمر في سرائر الناس وهمساتهم وهمهماتهم، الى ان يتفاعل تراكمها وتتضاعف احتقاناتها، فتطفر الى السطح غضبا ونقمة… وفتنة!

ان قمع الحقائق، لاي سبب كان، اشد هولا من اعلانها: قمعها يطورها الى مآزق، واعلانها يدورها الى اطار المحاسبة والجزاء، فالشفاء، فالى العفو والغفران.
هذا لا يعني ان الاتهام اكيد وثابت على "حزب الله"، وان القرار الاتهامي والمحكمة متجهان حكما في هذا الاتجاه (وما اروع ان ينتهي التحقيق الى براءته!).

لكن الافتراض الاسوأ يقضي بقبول المعادلة الآتية:
اتهام واضح معزز بالادلة، افضل من كتمان مريب مفخخ بالشكوك.
الحالة الاولى مفتوحة على المعالجة وحصر الاضرار والآثار، والثانية مقفلة على التوجس والتربص والحقد. وما على المشككين في التحقيق والمحكمة، الضاربين حولهما الشروط والفروض، الا ان يوازنوا بين الحالتين، ويروا ما ينفع منع الفتنة، ويخدم مستقبل الحياة المشتركة والوحدة الوطنية، ويضبط امتداد النار الى المنطقة، بدلا من حماية رأس متورط او اكثر، في الافتراض الاسوأ.

فالخيار هو بين تحمل مسؤولية الخطأ او الخطيئة (اذا وجدت) بما يفتح افق الحل والحياة، وبين التهرّب من عين قايين بما يوصل الى الهلاك.
الحقيقة الصريحة تجرح، لا تقتل. والحقيقة المكبوتة موبوءة، تضج بكل الشرور.

المصدر:
النهار

خبر عاجل