#adsense

وحدة وطنية..

حجم الخط

كلام كثير دبّ ويدبّ يومياً، يا إخوان، وكله يتمحور حول شؤون الساعة في لبنان.. وهي بالمناسبة ساعة مطّاطة وربما الأطول من نوعها في التاريخ، إذ أن شؤونها المذكورة مرّت عليها شهور وسنين وهي موضع متابعة وتعليق ونقاش وحوار ومعارك وحروب باردة وساخنة على حد سواء.

أبرز تلك الشؤون، هي الاستراتيجية الدفاعية، العنوان التمويهي لقضية المقاومة وسلاح "حزب الله".. وملف العلاقة اللبنانية السورية والمحكمة الدولية، وأخيراً الشأن الطارئ حديثاً والذي أثار وأنعش بعض الممانعين عندنا، أي "موضوع" سمير جعجع و"القوات اللبنانية" وشقيقاتها من قوى مسيحية عروتها وثقى بتاريخ 14 آذار وثورة الأرز.

والحق يُقال، انه لولا الموضوع الأخير المذكور، لأخذ جلاوزة اللغة إجازة طويلة، باعتبار أن التمتع بفضاءات التسوية ولغتها المخملية مسألة عصية عليهم، خصوصاً من نشأ منهم وتدرب وتخصص في نقيض ذلك. أي النقيض الذي يعني إنكار الغير وصلبه دائماً على خشبة الاتهام، بحيث يبقى المتهم، في عرفهم الآتي من علم نفس بدائي ومسطح وبائس، في دائرة قلق دائم، وتوازن هش، وضغط مستمر، وكينونة محاصرة، أي باختصار حرف ناقص في السياسة!

الكلام في هذا الشأن يطول ويتشعب، لكن الأساس في شؤون تلك الساعة، يبقى الاستراتيجية الدفاعية العتيدة كبند أول (ووحيد؟) لهيئة الحوار الوطني التي دعا إليها ويرعاها رئيس الجمهورية فخامة العماد ميشال سليمان.

تهذيب الخلاف القائم بين اللبنانيين على ذلك الموضوع، قد يكون الهدف الأسمى والأهم في ذهن صاحب الدعوة. ينطلق في ذلك من فرضية جليلة وجميلة وتستحق الضم والتقبيل، وهي أن "الحكي" في ذلك الخلاف الذي يُقسّم فرقاء لن يذهب أحد منهم الى أي مكان آخر، يبقى أفضل بمليون و999 ألف مرة من رشق ناري واحد في الشارع، أو من استعادة لحظات رديئات ودقائق معدودات من 7 أيار المشؤوم الى يوم القيامة.

والفرضية الثانية البارزة هي إظهار الحد الأدنى من التماسك الوطني، وإبلاغ كل من يهمه الأمر، رسالة موشاة بماء الذهب وإن كان مضمونها غير ذلك، تفيد بأن الممارسة اللبنانية المسماة تمويهاً ديموقراطية، لا زالت بخير وقادرة على ضبط الجدل والنقاش والخلاف في حدود مؤسساتية، وأن الأمر برمته جدير بالمحاولة مرة واثنتين وثلاثة.. ومئة، وأن في ذلك ما يدل في بداية الطاف ونهايته، الى شبهة تستحق غير إسمها، هي الوصول الى تأكيد صارم بأن ما يحصل في شأن المقاومة وسلاحها، على إهميته وخطورته، يبقى عابراً، فيما الدائم والقائم هو العقد الاجتماعي السياسي التاريخي الذي أنتج الكيان الوطني اللبناني.. وهو العقد الذي يُسمى في الغالب الدارج وحدة وطنية.

.. غير أن البعض، (مثل السيد نواف الموسوي)، مأسورٌ بنشوة اللحظة السياسية وغرور القوة وثقل الحديد والبارود ومشاريع ناقصة لإمبراطورية موعودة، يريد بتصريح من خمسة سطور، أن يقول للآخرين من اللبنانيين أن يبلّطوا البحر وشجر صنوبر حرج بيروت إذا أمكن، لأنهم لا يوافقونه الرأي (جزئياً إذا لاحظتم) في شأن السلاح ووظيفته، والمقاومة وأهدافها الأخيرة.. غير منتبه الى أنه يكرر هواية تقديم الهدايا المجانية لإسرائيل، ويساعدها على إبلاغ من يهمها أمرهم، أن لبنان هذا كيان مصطنع، ودولة موجودة على الورق، ووحدته الوطنية أغنية بايخة، و"حزب الله" وليد حالة يجب أن تنتهي.. متمماً، من غير قصد بالطبع، ما يقوله شمعون بيريز وغيره من أن لا مشكلة لإسرائيل مع لبنان، إنما مشكلتها مع "حزب الله".

يبقى من البديهي القول، أن لبنان تسوية دائمة لا يخلخلها إلا كلام شبيه بالأساطير الأولى لإسرائيل: الدولة يهودية وليذهب الأغيار الى البحر أو الصحراء.
ولا تؤاخذونا بعد ذلك، إذ أن بعض الكلام في لبنان يشبه تلك الأساطير، ولا يفعل إلا خدمتها، فيما يَفترض غافلاً، أنه يحاربها.. والله أعلم.

النفي الذي أصدره النائب الموسوي لا ينفي الجذر الذي جاء منه كلامه أساساً، أي القول تكراراً أن المقاومة ليست في حاجة الى "إجماع" اللبنانيين.. ولذا اقتضى التوضيح وهذا المقال.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل