في احتفال ذكرى حل حزب القوات اللبنانية، اعترف النائب فتفت ممثل تيار المستقبل في الاحتفال، ان شريحة كبيرة من اللبنانيين، لم تتوقف امام قرار حلّ الحزب، ولم تعره اهتماماً، كما انها لم تأبه لاعتقال الدكتور سمير جعجع، وسوقه الى المحاكمة فالسجن بتهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة، لأن هذه الشريحة كانت منصرفة الى أمور أخرى واهتمامات مختلفة، ولم يعمل جرس الإنذار في وجدانها، الا بعد احداث الضنية وما تبعها، وصولاً الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فأيقنت هذه الشريحة، وفتفت من ضمنها، انها أكِلَت يوم أُكِلَ الثور الأبيض.
بطبيعة الحال، كان النائب فتفت، في ما قال يومها، يحذّر اللبنانيين على مختلف طوائفهم ومذاهبهم، من الوقوع في عدم المبالاة تجاه ما يتعرّض له اي مكوّن من مكوّنات المجتمع اللبناني، لأن نجاح المتآمرين في أكل هذا المكوّن، سيمهّد لهم الطريق لابتلاع مكوّن آخر، ثم آخر، الى ان يسقط الجميع في أشداق التنين.
تذكّرت هذا الموقف لأحد اركان كتلة «لبنان أولاً» بعد متابعة آخر مشهد من السيناريو المعدّ لضرب حزب القوات اللبنانية مجدداً، وحتماً لن يكون الأخير، وهو مشهد حادثة عيون أرغش، ومسارعة «جوقة الخط» كما أسماها مرّة زميلنا ابراهيم الجبيلي، الى وضع حزب القوات، ورئيس هيئته التنفيذية سمير جعجع، في قفص الاتهام، تماماً كما حدث بعد تفجير الكنيسة واطلاق الاتهامات والدعوات الى التحقيق مع الدكتور جعجع والمسؤولين القواتيين بتهمة تعكير السلم الأهلي، وتخزين ترسانات من السلاح، والتآمر على الدولة والمقاومة والى غير ذلك من التعابير والتهم التي يتم استنساخها وتوزيعها على الأبواق الأعضاء في اوركسترا لا تعزف سوى سيمفونيات الشتم والاتّهام والتخوين والتهديد، وكان لافتاً في الأمس ان أحد نواب «جوقة الخط» وجد في حادثة عيون أرغش مناسبة لتوجيه سهامه باتجاه رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة فاتهمه وحكومته السابقة بالخيانة والتآمر.
لست في معرض الدفاع عن حزب القوات اللبنانية، فهو أدرى وأولى بالدفاع عن نفسه، ويفترض بحلفائه في تكتل 14 آذار، مسلمين ومسيحيين، ان يكونوا قد حفظوا جيداً مثل «الثور الابيض» وتنبّهوا الى ما سوف ينتظرهم، في حال أكل الثور الابيض خط دفاعهم الأول في وجه الهجمة عليهم التي بدأت منذ سنوات ولما تنته بعد، انما ما يثير التساؤل والاستغراب، هو موقف الاجهزة الامنية المجتزأ، الذي تعتمده بعد كل حدث أمني، وتحديداً الاحداث التي يبدو ان لأحزاب او شخصيات معينة علاقة بها او هكذا تبدو المعزوفة، حيث لا يعرف كيف يتم تسريب الحدث الى اعلام معيّن، قبل صدور اي تقرير او بيان عن الاجهزة الأمنية، يشرح بدقة وموضوعية الحقائق والخلفيات المرتبطة بالحادث او الحدث، وكأن الهدف اعطاء فرصة لتشويه سمعة هذا الحزب، او هذه الشخصية، والى ان تتوضح الحقيقة، يكون قد علق في أذهان الناس وذاكرتهم، جزء من الأكاذيب التي عمّمت، على قاعدة ما كان يقوله غوبلز: «اكذب…اكذب فلا بد وان يعلق شيء في ذاكرة الناس».
الأمر الثاني الذي لا بدّ من لفت الانتباه اليه، انه كثيراً ما تقع احداث واشتباكات بين عائلات او عشائر من مذهب واحد، وتنتمي في معظمها الى حزب واحد، ويستخدم فيها جميع أنواع الاسلحة الثقيلة والمتوسطة، وتتدخل قوى الامن وتصادر اسلحة وممنوعات ومسروقات، ومع ذلك لم نسمع احداً من 14 آذار يلصق التهمة بالمذهب او الحزب المعنيين بالمتقاتلين او المخالفين او السارقين.
الأمر الثالث والأخير، يبدو بوضوح ان الهدنة الاعلامية، وتهدئة الخطاب، والحرص على السلم الأهلي، لا تنطبق إلاّ على جماعة 14 آذار، في حين ان الفريق الآخر اغتنم هذا الوضع غير المتكافئ ليزيد من فجوره السياسي، ويتصرّف على اساس انه المنتصر على خصومه، وانه الحاكم بأمره، وليس الدولة والقانون والدستور.
هذا الوضع قد يصبح حقيقة، اذا استمر تكتل 14 آذار في ضياعه وتراجعه، واستمرت الدولة في ضعفها وتردّدها.