#adsense

لأن النظام التوافقي يفضي إلى “فيديرالية طوائف”

حجم الخط

لأن النظام التوافقي يفضي إلى "فيديرالية طوائف"
إسرائيل تحاول الإفادة منه لتقيم "الدولة اليهودية"

السؤال الذي يثير قلق الاوساط الرسمية والسياسية والشعبية هو": الى متى يظل اتفاق الدوحة معمولا به بحيث يجعل نتائج الانتخابات النيابية بلا معنى ولا جدوى عندما يتساوى الرابح فيها مع الخاسر وتتمثل الاكثرية مع الاقلية في حكومة واحدة كي يقال، وان زورا وبهتانا، انها حكومة "وحدة وطنية"… خصوصا عندما يكون ممنوعا على رئيسها وعلى الوزراء فيها الاستقالة، وهذا معناه، ولو ضمنا، انه ممنوع على المعارضة اذا بقي لها وجود ان تحجب الثقة عنها حتى وان اخطأت، باعتبار ان حكومة تمثل فيها الاكثرية والاقلية او الموالاة والمعارضة تلغي دور مجلس النواب، وتصبح هي التي تحاسب نفسها بنفسها، ولا قرارات تصدر عنها الا بالتوافق بين الجميع اي بما يشبه الاجماع، او تبقى هذه القرارات مجمدة ومعلقة الى اجل غير معروف.

واستمرار العمل باتفاق الدوحة الى ان يصير تفاهم مع اتفاق بديل، معناه ان لا ينتخب رئيس للجمهورية الا بالتوافق مهما طال الوقت واشتدت الازمة مع استمرار الفراغ، ولا تشكل حكومة الا بالتوافق ايضا على تمثيل القوى السياسية الاساسية في البلاد من اكثرية واقلية، مهما طالت الازمة ايضا… ولا تصدر القرارات في مجلس الوزراء الا بالتوافق مهما طال وقت التوصل الى ذلك، وان كان هذا الاتفاق يشكل مخالفة لاحكام الدستور ويعطل العمل باحكام المادة 65 منه التي تحدد المواضيع التي يمكن الموافقة عليها بأكثرية عادية او مطلقة وتلك التي تحتاج الموافقة عليها الى اكثرية الثلثين.

وتقول اوساط سياسية ان اتفاق الدوحة المكتوب يذكرها بالاتفاق غير المكتوب الذي كانت تطبقه الوصاية السورية على لبنان، اذ كانت تختار رئيس الجمهورية والغالبية النيابية الساحقة تصوت له، وهي التي كانت تسمي رئيس الحكومة قبل الاستشارات التي تأتي نتائجها حتما لمصلحة من تسميه، وكانت توزر من تريد بالتفاهم او من دون تفاهم مع رئيس الحكومة او مع رئيس الجمهورية حتى وان لم يكن معروفا منهما، ولا تصدر قرارات مهمة عن مجلس الوزراء الا بموافقة حكم الوصاية، وعندما كانت الاكثرية الوزارية تنتمي الى الرئيس رفيق الحريري، فالتصويت على المواضيع المهمة ممنوع ولا بد من التوصل الى توافق عليها والا ظلت مجمدة ومؤجلة الى ان يتحقق هذا التوافق، لان نتائج التصويت تصور وجود غالب ومغلوب في مجلس الوزراء، والغالب يومذاك مع وجود هذه الاكثرية هو الرئيس الحريري والمغلوب هو الرئيس اميل لحود، وهذا ممنوع حتى لو تعطل تطبيق المادة 65 من الدستور.

وكان ممنوعا في ظل الوصاية السورية ان يستقيل رئيس الحكومة او وزير من الوزراء اذا لم تكن الظروف تسمح بذلك، وممنوع ايضا على المعارضة التي تتكون بمعظمها بالاتفاق مع حكم الوصاية ان تحجب الثقة عن الحكومة او تهدد بحجبها الا بالاتفاق والتفاهم ايضا مع اهل ذاك الحكم. اي ان اتفاق الدوحة المكتوب والذي يطبق حاليا، كان اتفاقا غير مكتوب يطبق زمن الوصاية السورية، مع فارق ان الجيش السوري كان يحفظ الامن في لبنان بمعاونة الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي، فيما الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي هما اللذان يتوليان حفظ الامن بالتعاون الضمني مع "حزب الله" الذي بات دوره في الحكم شبه بديل من دور الوصاية السورية… اذ يستطيع ان يوافق على ما يريد وان يرفض ما لا يريد.

اما الديموقراطية التي ارادت ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش تعميمها على دول منطقة الشرق الاوسط، فقد فشلت في تعميمها بعدما بدا لها ان تطبيق هذه الديموقراطية في بعض الدول قد يأتي بنواب غير ديموقراطيين بل اصوليين ومتشددين كما حصل في الاراضي الفلسطينية اذ فازت حركة "حماس" واستطاعت ان تنفصل عن السلطة الشرعية وتحكم قطاع غزة، وقد يحصل الشيء نفسه في دول اخرى تخضع حتى الان لحكم الانظمة الشمولية او الديكتاتورية العقائدية والدينية. لذا قررت ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما دعم انظمة الاعتدال ايا يكن شكل النظام فيها، فكانت النتيجة حتى الآن ان الانظمة الممانعة او المتشددة تقدمت على انظمة دول الاعتدال وباتت تملك قدرة التعطيل اذا لم تكن تملك قدرة التقرير.

وهكذا استطاعت الاقلية المتشددة في لبنان ان تضع الاكثرية بين خيارين: اما استمرار حكم الديموقراطية التوافقية التي تلغي حكم الاكثرية وتجعل انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وتشكيل الحكومة يتم بالتوافق مهما طال الوقت والقرارات حتى المهمة والملحة لا تصدر الا بالتوافق ايضا ولو تعطلت المصالح العامة والخاصة، واما القبول بالغاء الطائفية السياسية كي يعود عندئذ حكم الديموقراطية التي تجعل الاكثرية تحكم والاقلية تعارض، وان كانت اكثرية مذهبية او طوائفية وغير وطنية.

وعندما تربط عودة الديموقراطية الصحيحة بالغاء الطائفية السياسية، فهذا معناه ان اتفاق الدوحة المخالف للدستور ولقواعد هذه الديموقراطية، سيظل معمولا به في لبنان الى اجل غير معروف، وان دول المنطقة ستوضع هي ايضا بين خيارين: اما ان تظل خاضعة لحكم الانظمة الشمولية او الملكية او الديكتاتورية الحزبية او الدينية، واما ان تعتمد اتفاق الدوحة اساسا للحكم فيها وهو ما يجد العراق نفسه بعد الانتخابات يتجه الى تطبيقه على غرار ما حصل في لبنان بعد الانتخابات ايضا.

وتخشى الاوساط السياسية نفسها ان يشكل وضع لبنان ودول المنطقة امام هذه الخيارات لأنظمة الحكم فيها خدمة لاسرائيل التي تعتبر ان لا قيام لدولة "يهودية" فيها ما لم تقم في المنطقة دول مذهبية او "فيديرالية طوائف"، تبدأ بتطبيق النظام التوافقي الذي تتمثل فيه ليس كل الاحزاب والقوى السياسية الاساسية بل كل المذاهب فلا تصدر قرارات ولا يصادق على مشاريع الا بالتوافق بين هذه القوى والمذاهب، وان عدم التوصل الى ذلك قد يفجر ازمات داخلية لا خروج منها الا بالتقسيم او باتحاد نظام "فيديرالية الطوائف" التي تفكك دول المنطقة وتحولها دويلات عرقية او مذهبية تكون الدولة اليهودية العرقية هي الاقوى بين هذه الدول، في حين ان لا قيام لمثل هذه الدولة في منطقة تقوم فيها انظمة ديموقراطية تحقق الوحدة الوطنية والعيش المشترك بين شعوبها على اختلاف ميولها ومذاهبها، ولبنان هو حتما الآن نموذج حي لهذا العيش الثابت والدائم، وقد يكون من يعمل على ضرب هذا النموذج عن قصد او عن غير قصد لخدمة اسرائيل.
لقد اعلن الرئيس الحريري ان تشكيل الحكومة الحالية هو استثناء وليس قاعدة ولكن يخشى ان يصبح الاستثناء قاعدة…

المصدر:
النهار

خبر عاجل