#adsense

إسرائيل والسياسة النمرودية

حجم الخط

لولا العقول لكان أدنى ضيغم
أدنى الى شرف من الإنسان
المتنبي

تستعمل لفظة "يتنمر" أي يتصرف كالنمر لتخدم نفس المعنى للفظة "يتنمرد"، ولكن هذه اللفظة تنتسب لاسم "النمرود" وهو شخصية أتت على ذكرها الكثير من المخطوطات القديمة بالإضافة الى القرآن والتوراة. كما أن الكثير من الأساطير والحكايا تمت نسبتها لهذه الشخصية.

وحسب سفر التكوين، فإن النمرود هو أحد أحفاد النبي نوح وكان أحد ملوك ما بين النهرين، صاحب سطوة وصياداً جباراً. وينسب له في بعض الأقاصيص بناء برج بابل.
وينسب اليه أيضاً بناء العديد من الحاضرات وهناك لغط في بعض الأحيان بينه وبين الملك "أشور".

باختصار، وبغض النظر عن الوقائع فإن العبرة الدينية تنص على أن النمرود كان طاغية دفعته قوته وسطوته الى تحدي الله مدعياً انه قادر على منافسته وحتى الانتصار عليه، ويقال أن بناء برج بابل كان جزءاً من هذا التحدي. وقد عوقب النمرود على هذا المسار بعذاب عظيم في حياته قبل أن يموت (هناك أساطير عدة تتحدث عن حياة وموت النمرود منها ما يشبهه بمسار الآلهة) والعقاب كان بحشرة دخلت دماغه وأخذت تأكله ببطء شديد الى أن مات.

إسرائيل النمرود

لا بد لمن تابع سيرة نشأة الدولة العبرية على مدى أكثر من مئة سنة أن يلاحظ أن التطور الذي حصل على ما كان فكرة في مؤتمر بازل سنة 1897 تجول في عقل تيودور هرتزل، فتحول الى وعد قدمه "بلفور سنة 1917، ومن بعدها الهجرة المكثفة وبناء المستعمرات الى حرب 1948 ومن بعدها 1967. لقد أدى هذا النجاح الميداني الى بناء عناصر الصلف والتكبر في عقول قادة إسرائيل لدرجة أصبحت قناعة معظمهم بأن أولوية هذه الدولة هي بناء القوة المطلقة القادرة على فرض الوقائع الجغرافية بشكل واضح منذ بداية إنشاء هذا الكيان عندما أفشل دافيد بن غوريون (وبعض اليهود يعتبرونه نبياً) كل محاولات خلفه موشي شاريت لإرساء سلام مع جيرانه في خمسينات القرن العشرين.

ومن الواضح أيضاً أن محاولات رابين لبناء سلام متردد أيضاً انتهت باغتياله من قبل فرد مدعوم بالتأكيد من قبل فئات واسعة من المجتمع الصهيوني تعتبر أن الحياد عن خط القوة والبطش يؤدي الى نهاية دولة إسرائيل.

واليوم، وبعد سلسلة من الاستدراجات الدموية للمجتمع الفلسطيني، بفعل ورد الفعل حتى أصبحت المواجهة أكثر دموية بشكل تسوغ للعدو استعماله العنف المفرط، نشهد تحولاً شبه كامل أيضاً ضمن المجتمع الصهوني لانتهاج سياسة العنف كوسيلة وحيدة لضمان الاستمرار.

ومصيبة المجتمع الغربي أنه واقع تحت سلسلة من الإلتباسات، أولها الرغبة في التعويض عما قامت به أوروبا، وخاصة في الحقبة النازية من مجازر وإبادة ضد اليهود.
والإلتباس الثاني هو الرغبة برمي المشكل على الغير. والإلتباس الثالث هو وهم وحدة المبادئ والرؤى بين الغرب وإسرائيل والإلتباس الرابع هو وهم الدولة الديموقراطية التي يسوقها دعاة الصهيونية من دولتهم.

ولكن الواقع الثابت هو أنه لا الأنظمة العربية ولا الشعب العربي تمكنا من إعطاء صورة قادرة على بلوغ العقل الغربي لكي يقبلها. فالأنظمة بمعظمها شمولية أو قمعية وبعيدة عن منطق الديموقراطية، والشعب إما مأخوذ بالحاكم أو حاقد ومتعصب أو متنور ومهمش أو متعلم ومستقيل من مواطنيته.

بالمحصلة، ومع القناعة بأن إسرائيل هي جزء من الاستراتيجية الغربية لتقسيم العالم العربي والسيطرة على الشرق، فإن العالم العربي لم يتمكن من تشكيل أوراق ضغط فاعلة على صناعة القرار الغربي وبقيت إسرائيل الأكثر تأثيراً على الرغم من الاحتجاجات المترددة على سياساتها من قبل بعض الغرب.
مبادرة السلام العربية

قد تكون المبادرة العربية للسلام هي بارقة الأمل الوحيدة التي أعطت قاعدة للعرب للانطلاق في الحوار مع العالم، ولا شك أن هذه المبادرة، مع كل إعاقاتها، قد خلقت حراكاً واضحاً لعملية السلام وأكدت على وجود بديل لسياسة الفرض بالعنف التي اعتمدتها إسرائيل على مدى ستة عقود.

بالمحصلة، نحن نعلم ان ما هو مطروح ما هو إلا "تسوية" تعتمد أساساً على وقائع موازين القوى، أما الحق والعدالة فلا يمكن أن يكونا إلا من خلال رد كل الحقوق للفلسطينيين. لذلك، فما هو واجب علينا الآن هو الاستمرار في سياسة ومنطق السلام دون مزايدة أو خطابات عنترية، والطرق قدر الإمكان على الخلافات الواقعة حالياً بين الغرب وإسرائيل حول عملية السلام.

قد يقول هنا قائل إن هذه السياسة قد فشلت وأن البديل الوحيد هو مبادلة العنف بالعنف، وهنا نسأل، الى أين أدت هذه السياسة على مدى العقود الماضية، وقد تكون هذه السياسة هي الوحيدة التي ترغب فيها إسرائيل، لأنها تخدم بشكل واضح الفلسفة التي يقوم عليها الواقع المتطرف لدولة العدو.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل