كتب علي حمادة في "النهار": لم يعد خافياً أن ثمة حملة مبرمجة منسقة تستهدف "القوات اللبنانية" باعتبارها، مع حزبي الكتائب والوطنيين الاحرار، حجر الرحى في التيار الاستقلالي المسيحي. وتمتاز "القوات اللبنانية" بأنها على رغم تعرضها لسنوات طويلة من التضييق والقمع والترهيب، تمكنت خلال فترة اعتقال قائدها من ان تتجاوز المحنة بكثير من التصميم على مستوى القاعدة التي تحملت قسطا كبيرا من الضغط الامني المنهجي. ومعلوم انه عام 2005 جرى تأخير اطلاق سمير جعجع من السجن في محاولة للحد من تأثير "القوات" على الانتخابات النيابية التي كانت تلوح في الافق، ربما من اجل ترك الساحة مفتوحة لاستثمار عودة الجنرال ميشال عون من الخارج. وقد تبين في ما بعد ومن خلال العديد من الشهادات الحية، ان صفقة كبيرة عقدت مع عون لإتمام عودته بالشروط التي عادت وتبلورت بانفجار خلافه مع قوى "14 آذار" تحت عنواني مواجهة قانون الانتخاب (قانون غازي كنعان) الذي فرضه الثنائي الشيعي "امل" و"حزب الله" من جهة، والتصدي لتهميش المسيحيين عبر التحالف الرباعي الشيعي – السني – الدرزي. وانتهى الامر بأن حصد عون غالبية مسيحية معتبرة بعدما نجح في استقطاب الرأي العام المسيحي المستقل.
في المرحلة التي تلت خروج جعجع من السجن بقانون العفو الذي اقره اول مجلس نواب بعد مرحلة الوصاية السورية، حجب انتصار عون الكبير في الانتخابات العمل التنظيمي الذي انطلق في رحم "القوات اللبنانية". ولكن مع توالي المناسبات بدا ان المد الجماهيري لـ"القوات" آخذ في التنامي بدءا بالمحازبين السابقين، ثم بجيل ابنائهم، واخيرا في الوسط المتأرجح. وظهر جليا ان "القوات اللبنانية" تتطور جماهيريا منذ احداث 23 كانون الاول 2007 عندما حاول "التيار الوطني الحر" ملاقاة حلفائه في "8 آذار" في العصيان ونزل محازبوه لقطع الطرق في المناطق المسيحية. فكان اول اختبار لـ"القوات" التي انزلت محازبيها هي الأخرى لفتح الطرق، الى حد ان العونيين لم يتمكنوا من الحفاظ على مواقعهم في مستديرة الصياد والجديدة إلا بتدخل مباشر من عناصر الثنائي الشيعي ولا سيما "حزب الله". وفي ما بعد كانت مهرجانات "القوات" وذكرى 14 شباط ادلة تضاف الى الادلة التي سبقت.
وخلال غزوات 7 أيار2008، كان واضحا ان الهدوء الذي ساد المناطق المسيحية ووفر لقيادات اسلامية من "14 اذار" ملاذات آمنة، حصل بسبب التوازن الذي أرسته "القوات" وحلفاؤها ولا سيما حزب "الكتائب".
في هذا الوقت كانت المعلومات والتقارير تتوارد ومفادها ان "القوات اللبنانية" تتمدد شعبيا في الاوساط الشبابية المسيحية في المدارس والجامعات، حتى قيل ان الجيل المتحرر من ذاكرة الحرب ستكون نسبة كبيرة منه "قواتية"، وانه خلال عشر سنين ستكون "القوات" القوة الحزبية المسيحية الاولى، متقدمة "التيار الوطني الحر" الذي سيكون زعيمه في مرحلة افول لناحية النشاط الجسدي والفكري، نسبة الى تقدمه في السن، وخصوصاً ان خلفاء عون البارزين منذ اليوم لا يبدو انهم سيملكون حيثيته او كاريزماه.
في انتخابات 2009، حققت "القوات" قفزة كبيرة الى الامام في مناطق مسيحية عدة. وكانت زحلة اختباراً مهماً، مثل البترون، وحتى كسروان، حيث ان لائحة "14 آذار" خسرت الانتخابات لانها احجمت عن خوض معركة سياسية، ونزلت عند رأي الثلاثي منصور البون – فريد هيكل الخازن – فارس بويز بعدم جواز مهاجمة الجنرال، وتقديم العامل العائلي والقروي على العنوان السياسي الواضح. وما يؤكد عدم صوابية هذا الرأي ان العميد كارلوس اده الآتي من جبيل المجاورة حقق على الراغم من نخبويته نتيجة كبيرة دلت على ان الناس كانوا تواقين الى خوض معركة سياسية بامتياز. هنا افلحت "القوات" في تظهير العنوان السياسي لمواجهة "التيار الوطني الحر".
في المرحلة التي تلت الانتخابات وتشكيل الحكومة في ظل المصالحات العربية وعودة الحرارة الى العلاقات بين الرئيس سعد الحريري ودمشق، والتي كان من ابرز نتائجها سلوك سوري لإشاعة مناخ انتصاري (لدمشق وحلفائها)، وتعامل من "حزب الله" مع بقية مكونات البلد على قاعدة "الارشاد الاعلى" للدولة والنظام، ومع خفوت لهجة التيار الاستقلالي سياسيا وفقا لدفتر شروط المصالحات العربية، وخروج النائب وليد جنبلاط من "14 اذار" دون ان يخرج عمليا من موقعه الاستقلالي الحقيقي، كانت "القوات اللبنانية" (ومعها "الكتائب" و"الاحرار" و"الكتلة الوطنية") تمثل صوتا استقلاليا مرتفع الوتيرة لا يفوّت حدثا ولا مناسبة لرفع الصوت عاليا. وليس سرا ان "القوات" صارت بمثابة القوة التي تجب محاصرتها اعلاميا وسياسيا. فلم تتوقف الهجمات عليها من كل رموز المرحلة السابقة لـ2005، وصارت اليوم هدفا يكاد يكون وحيدا يتعرض بشكل منتظم لحملة تلو أخرى اسبوعا بعد اسبوع.
و لكن هل ادت الحملات الى النتائج المرجوة؟ غالب الظن انها شدت العصب، وزادت شعبية "القوات"، باعتبارها تتعرض لمحاولة حصار، لأن كثيرين يعتقدون ان ثمة مخططا كبيرا لتصفية قائدها جسديا لا يزال قائما من اجل انهاء ظاهرة تحول دون التمكن من الساحة المسيحية بشكل كامل.
ويبقى سؤال هو الاهم اليوم: ما هي واجبات الاستقلاليين؟ مواصلة اصدار الاشارات الواضحة ان "القوات" ليست متروكة وحدها. ويكون ذلك على النحو الذي قام به سعد الحريري في مهرجان "القوات" الاخير في "البيال" بإيفاده ممثلين عنه وتكليف رمزين مسلم ومسيحي من كتلته النيابية القاء كلمات في المهرجان. ويكون ذلك بعودة الحرارة الى علاقات الحزب "التقدمي الاشتراكي" بـ"القوات اللبنانية" لأن جنبلاط الخارج من "14 آذار" لم يدخل في المقابل الى مشروع دولة امنية يجري العمل على اعادة احيائها بالتهويل والتهديد، والامر لا يتناقض مع التموضع الوسطي ولا مع المصالحة مع دمشق. ويكون اخيرا وليس آخرا بتسخيف حملات مثل التي تدور على خلفية حادث عيون ارغش، في وقت جرى نسيان قتلى الغزوات، ويجري التعامي على اكبر واخطر اختراق عسكري وامني يحصل من منطقة سهل البقاع صعودا في اتجاه سلسلة جبال لبنان الغربية، من الباروك وصولا الى القرنة السوداء.
اما عن تمدد شبكة الاتصالات الخاصة في كل المناطق اللبنانية فحدّث ولا حرج !
علي حماده