#adsense

من هنا يجب أن ننطلق

حجم الخط

احتفل المسيحيون هذه السنة، الكاثوليك والارثوذكس، بعيد القيامة في اليوم نفسه، فتلاقى الشرق والغرب في لبنان للاحتفال بهذا اليوم المقدّس. كما خصص لبنان هذه السنة يوما في 25 آذار، هو عيد البشارة، يوماً مسكونياً، ليذكّر فيه المسيحون والمسلمون الآخرين بأن لبنان هو وطن الرسالة. إنها خطوة أولى، ولا يزال هناك الكثير.

في هذه الاوقات الروحانية، ينبغي أن نتساءل عن موقف المواطنين من القيم التي ينبغي أن تـشكل أساساً لأي أداءٍ شخصي أو وطني.

من المسلّم به أن المناقشات السياسية المتعلقة بالبنية الدستورية للبنان بالغة الاهمية. ومن البديهي أن يسعى اللبنانيون بقوة الى تنظيم اللامركزية وإنشاء مجلس للشيوخ وإصدار قانون عصري ومتساوٍ للانتخابات. لذا، فان عودة اللبنانيين والمسيحيين الى التأمل والتفكير في القيم التي ينبغي أن تكون أساساً لعملهم، هو شرط أساسي لأي نهجٍ مستقبلي ناجح.

إن القيم المبنيّة على أسس دينية، إنسانية أو أخلاقية، تؤسس للعيش المشترك وكرامة الفرد، فالقواعد الدستورية أو التسويات المُقترحة تبقى آليات عقيمة إذا لم يترافق فيها الوعي الفردي أو الجماعي مع الحاجة الى احترام النزاهة والمبادئ والقيم الأساسية.

ضاعت في أيامنا هذه بعض المعالم على الصعيدين الفردي والوطني. فالمواطنية الصالحة، والسيادة واحترام القانون والحريات العامة والنزاهة والتسامح والرحمة واحترام الآخرين والمصلحة العامة والتضامن، اصبحت كلها قيماً منسية نتجاهلها.

تلك القيم، التي يُفترض أن ُتحدد الأطار الصحيح لكل توجهاتنا السياسية على الصعيدين الفردي والوطني،ُ تنتهك يومياً، و ويُتهم كل مَن لديه الجرأة بالتذكير بها بالطوباوية والسذاجة، ومن البديهي أن تستوعب الاجيال المقبلة، تحريف تلك المبادئ والقيم بدلاً من التمرّد ضد الهجمات التي تُمارس عليها.

كلا، إن السياسة لا تؤدي حتماً الى الحلول الوسط.
كلا، إن عالم الأعمال لا يبرر الفساد.
كلا، إن النفاق والذكاء ليسا مرادفين.
كلا، إن الغاية لا ُتبرّر دائماً الوسيلة.
كلا، ليس أي نجاح في الاعمال، مهما كان محترماً، معياراً للنجاح في الحياة.
هناك مِثال لافت وجليّ في السياسة من حيث استعمال كلمة "السياسة الواقعية". هذا المُصطلح استخدمه لودفيغ فون روشان من أجل تحقيق توازن بين الدول الاوروبية منعاً لنشوب حرب. وقد اصبحت الاشارة الى "السياسة الواقعية" اليوم سبباً لكل أنواع انتهاكات القيم في العمل السياسي.
وإذا كانت الدعوة اليوم الى العودة الى المبادئ ُتعتبر عملاً لا فائدة منه ودليل على طوباوية،
وإذا كانت الدعوة الى احترام القيم أصبحت دليلاً على عدم النضج والواقعية، فلأن مجتمعاتنا قد حوّلت التجاوزات الى معايير أخلاقية، كما حوّلت المبادئ والقيم نظريات فارغة.

لذا، علينا ا فوراً العودة الى تلك القيم ليكون في وسعنا تأمين مستقبل زاهر للبنان ولكل مكوناته.
فالوقت يدهمنا، وعلينا التحرك، وعلى كل منا أن يفتش عن السبيل الى تلك القيم التي أبعدها عنا عالم الخيال، وعلى كل فرد أن يسعى الى روح التمرد كلما انتُهكت تلك المبادئ والقيم.

فالدفاع عن القيم والقضايا المحقة والعادلة يجب أن يكون مُنطلقاً لأي عمل سياسي وسلوكٍ فردي. فالقيم يجب أن تكون أساساً لكل عمل دستوري بنّاء، وإلاّ فسيسقط البناء المتين الذي نسعى الى إنجازه.

لذا، على شباب لبنان مسؤولية خوض هذا النضال من أجل إعادة المجتمع الى منطلقاته الاساسية. وقد يضطر الشباب الذي يدفع ثمن تقلبات الماضي، الى التمرّد على تلك التجاوزات، من أجل التذكير بأن عدم احترام المبادئ الاساسية سيُواجَه برأي عام جديد متمسّك بالمبادئ والقيم الصحيحة.

من جهتي، سأدعو خلال الأيام المقبلة جمعيات مدنية، واساتذة مدارس وجامعات، ورجال دين ولا سيما الشباب الى التأمل معاً في قيمنا المشتركة، من أجل تعبيد الطريق كي تعود تلك القيم الى لبّ مجتمعنا وحياتنا.

فبالعودة أولاً الى ايماننا بمبادئنا، نتمكن من بناء مستقبل زاهر لوطننا.

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل