الملفات الصعبة العالقة بين سليمان والأسد
إسقاط رئيسي الجمهورية والحكومة بالقوة خط أحمر
"أوضح مسؤول غربي بارز في إتصالات مع جهات لبنانية وعربية أن دولاً معنية بمصير لبنان تملك معلومات دقيقة تفيد أن الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد متفاهمان على عدد من القضايا الداخلية والخارجية، وان علاقاتهما جيدة رسمياً لكنها صعبة بصورة غير معلنة لأن سليمان يريد القيام بدوره كرئيس توافقي من منطلق وطني مستقل ويعطي الأولوية للدفاع عن مصالح لبنان واللبنانيين، بينما يعطي الأسد الأولوية للإحتفاظ بنفوذ سوري في لبنان خدمة لمصالح نظامه. وشدد المسؤول الغربي على أن الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري يتمتعان بشرعية داخلية وعربية ودولية قوية وواسعة ولذلك فإن محاولة إسقاط أي منهما بوسائل إنقلابية غير دستورية وغير مشروعة من طريق العنف والترهيب والقوة المسلحة تشكل خطاً أحمر بالنسبة الى الدول العربية والأجنبية الداعمة للبنان المستقل السيد. وهذا الواقع يعرفه المسؤولون السوريون جيداً لذلك تظل حملات بعض حلفاء دمشق على أي منهما محدودة التأثير".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الإطلاع في باريس، وقالت إن المعلومات الواردة من دمشق وبيروت الى باريس وواشنطن وعواصم أخرى معنية بالأمر تشير الى وجود ستة عوامل أساسية تجعل العلاقة بين الرئيسين سليمان والأسد صعبة وحساسة، وهذه العوامل هي الآتية:
□ العامل الأول: إن ميشال سليمان ليس مرتبطاً بفريق 8 آذار كما كان الرئيس السابق إميل لحود، بل إنه جزء أساسي من الحركة الإستقلالية الواسعة التي تضم خصوصاً فريق 14 آذار وحلفاءه ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط وشخصيات إستقلالية أخرى وتلقى دعماً من الغالبية العظمى من اللبنانيين ومساندة دولية وعربية واسعة. وهو لم يخف إقتناعاته منذ إنتخابه في حزيران 2008 نتيجة إتفاق الدوحة، ذلك أن خطاب القسم الذي ألقاه أمام مجلس النواب إستقلالي المضمون والأهداف والتوجهات. ويعمل سليمان منذ تسلمه مسؤولياته على المساهمة مع القوى الإستقلالية في تثبيت وتكريس إستقلال لبنان وسيادته وقراره الحر وتعزيز الحماية الدولية والعربية له بعيداً من هيمنة أي جهة إقليمية، كما يسعى الى بناء دولة قوية بمؤسساتها الشرعية تبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية والى تطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وفي الأساس لم يكن القائد السابق للجيش مرشح دمشق للرئاسة إذ ان الأسد رفض تأييده حين طرح إسمه عليه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي خريف 2007 لدى انتهاء ولاية لحود ثم حين رشحه لاحقاً زعيم الغالبية سعد الحريري، واضطر النظام السوري وحلفاؤه الى تأييد انتخاب سليمان رئيساً للجمهورية نتيجة توافق دولي وعربي على دعمه كرسه إتفاق الدوحة في أيار 2008.
□ العامل الثاني: إن مفهوم سليمان لطبيعة العلاقات مع سوريا مختلف جذرياً عن مفهوم حلفاء دمشق الذين يعطون الأولوية لإقامة أوثق وأقوى الروابط مع النظام السوري ولتأمين مطالبه ومصالحه ولتنفيذ سياساته وتوجهاته ولو أدت الى تقليص إستقلال لبنان وسيادته أو كانت متناقضة مع مصالحه الحيوية المشروعة. أما سليمان فيريد أن يتم التعامل بينه وبين الأسد على أساس انهما رئيسا دولتين مستقلتين، وهو يزور دمشق أو يجري إتصالات مع الرئيس السوري ليس من أجل تلقي التعليمات بل من أجل فتح ملفات القضايا العالقة بين لبنان وسوريا ومناقشة مضمونها بصراحة تامة والمطالبة بإيجاد حلول ملائمة لها تؤمن المصالح المشروعة للبلدين. ويرغب سليمان في إقامة أفضل العلاقات مع سوريا ولكن على أساس المساواة والثقة المتبادلة والإحترام المتبادل لإستقلال كل من البلدين، ويرى أن العلاقات مع سوريا لن تكون طبيعية وقوية ما لم تكن سليمة وما لم تقم على أساس المصارحة والمكاشفة وما لم تتم إزالة الشوائب وتصحيح أخطاء المرحلة السابقة والتزام عدم تكرارها. ويرى سليمان أيضاً ان إستقلال لبنان ليس عملاً معادياً لسوريا بل حق مشروع للبنانيين، وان العلاقات مع سوريا يجب أن تكون جزءاً من علاقات لبنان الواسعة مع سائر الدول العربية والأجنبية المعنية بمصيره والداعمة له. وقد شرح موقفه هذا في مقابلة مع "النهار" نشرت في 13 كانون الثاني حين قال: "لا نلبس قفازات في التعامل مع سوريا، إنما نحافظ على مصلحة لبنان، فلا نقول للسوريين إن مصلحتهم قبل مصلحتنا لأن ذلك غير صحيح بل نريد مصلحة لبنان وكل ما تمليه مصلحة البلدين". كما أوضح في مقابلة مع "الشرق الأوسط" نشرت في 8 آذار: "إن عملية تنقية العلاقات اللبنانية – السورية أصبحت في مرحلة جيدة جداً". وأضاف: "تحتاج هذه العلاقات الى تعزيز والى أن يتم تجسيدها واقعياً في ميدان التطبيق بين الوزارات المختصة والمؤسسات في كلا البلدين".
الرئيس التوافقي القوي
□ العامل الثالث: إن سليمان يقوم بدوره كرئيس توافقي بطريقة مختلفة تماماً عما تريده دمشق وحلفاؤها. فالرئيس التوافقي القوي في نظر حلفاء دمشق هو الذي ينحاز اليهم ويؤيد مواقفهم ومطالبهم ويحارب خصومهم ويؤمن تغطية رئاسية لأعمالهم وممارساتهم ولدولة "حزب الله" المسلحة تحت ذريعة دعم المقاومة، وهو الذي يحصر دوره في الإستجابة لمطالب النظام السوري. أما سليمان فيتصرف على أساس أن الرئيس التوافقي القوي هو الوطني الصلب الرافض الخضوع للضغوط والتهديدات والرافض الإنحياز الى فريق سياسي معين والمتمسك بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية وبالدستور والنظام الديموقراطي والمنحاز الى إستقلال لبنان وسيادته والمساند للإستقلاليين أيا تكن هويتهم والحريص على إقامة الدولة القوية بمؤسساتها الشرعية. كما إن الرئيس التوافقي القوي، في نظر سليمان، هو الذي يرفض الخضوع لمنطق السلاح والعنف والذي يرفض أن تقتصر مهمته على تنفيذ مطالب إقليمية تضعف لبنان وتهدد أمنه وإستقراره وحق شعبه في حياة طبيعية.
□ العامل الرابع: إن سليمان يشكل مع سعد الحريري رئيس الحكومة فريق عمل موحداً ومتكاملاً ويلقى دعماً من الغالبية العظمى من اللبنانيين ومساندة جدية من دول بارزة ومؤثرة عدة بقطع النظر عما يتمناه النظام السوري. وهذا الواقع يعزز نفوذ الإستقلاليين ويضعف تأثير حلفاء دمشق السياسي والشعبي في الساحة اللبنانية على رغم انهم يمتلكون السلاح. ويتصرف سليمان على أساس ان عهد الوصاية السورية على لبنان قد انتهى فعلاً، ولذا فإن مهمته تقضي باتخاذ القرارات الداخلية والخارجية ومنها تلك المرتبطة بعلاقات لبنان العربية والدولية وبمصيره، في الإطار اللبناني – اللبناني، بالتشاور والتفاهم مع الحريري ومع القيادات اللبنانية الأخرى، ثم إطلاع القيادة السورية على القرارات التي تعنيها. وإذا حصل تشاور سوري – لبناني مسبق في شأن أي من القرارات المهمة، فإن ذلك يتم على أساس حرص ميشال سليمان على تأمين المصالح اللبنانية الحيوية المشروعة أولاً. وفي المقابل، يقول المسؤولون السوريون للمسؤولين العرب والأجانب إن عهد الوصاية السورية على لبنان انتهى وان لا عودة الى الماضي، لكنهم يريدون في الوقت عينه المشاركة في صنع القرارات الأساسية المتخذة في هذا البلد كي تظل لهم "كلمتهم" فيه. وهنا تبرز التناقضات بين ما يريده الأسد وما يمكن أن يقبل به سليمان والحريري والإستقلاليون.
الإستراتيجية الدفاعية وقمة دمشق
□ العامل الخامس: إن سليمان يدرك تماماً أنه يمارس مسؤولياته ويحترم صلاحياته كرئيس للجمهورية حين يتولى بنفسه الدفاع عن قضية لبنان وتقديم صورة واضحة وصحيحة عن الأوضاع الداخلية فيه وعن التحديات والمصاعب والتهديدات التي يواجهها وعن طبيعة العلاقات القائمة مع سوريا، وذلك خلال زيارات يقوم بها لعدد كبير من الدول العربية والإسلامية والأجنبية وخصوصاً تلك المعنية مباشرة بمصير بلده وعلى رأسها أميركا وفرنسا والسعودية ومصر. فلم يعد الأسد هو الذي يتحدث بإسم لبنان في الإتصالات العربية والدولية المختلفة ويشرح مسار الأوضاع في الساحة اللبنانية من وجهة النظر السورية، كما كان الحال سابقاً، بل أصبح زعماء الدول البارزة والمؤثرة يحرصون على التباحث مع ميشال سليمان وسعد الحريري كزعيمين إستقلاليين يمثلان السلطة الشرعية اللبنانية لمعرفة ما يجري في هذا البلد وما يريده اللبنانيون وما يجب القيام به لمساندة لبنان. وكما قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "إن سليمان والحريري على اقتناع بأن التعامل المباشر مع قادة العالم جزء أساسي من عملية حماية لبنان المستقل السيد ودعم الدولة ومؤسساتها الشرعية ومنها الجيش وقوى الأمن، بقطع النظر عما يريده أو يتمناه هذا الطرف أو ذاك". وفي هذا المجال كشف لنا ديبلوماسي غربي مطلع أن النظام السوري أبدى "إنزعاجاً خاصاً" من زيارتين قام بهما ميشال سليمان للولايات المتحدة وفرنسا في الفترة الأخيرة. ففي كانون الأول الماضي زار سليمان واشنطن والتقى كبار المسؤولين الأميركيين وفي طليعتهم الرئيس باراك أوباما الذي اجتمع بالرئيس اللبناني والوفد المرافق له، ثم التقاه على انفراد مدة نصف ساعة. كما أن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن التقى سليمان على انفراد. وأكد أوباما خلال هذا اللقاء خصوصاً "الإلتزام الأميركي لمساعدة لبنان قوي ومستقل وديموقراطي"، وشدد على أن الحوار الأميركي مع سوريا "لن يكون إطلاقاً على حساب لبنان وإستقلاله وسيادته ومصالحه الحيوية المشروعة". وسبب الإستياء السوري، وفقاً لهذا الديبلوماسي، أن الأسد طلب الصيف الماضي الإجتماع بالرئيس أوباما في نيويورك في أيلول الماضي على هامش دورة الجميعة العمومية للأمم المتحدة كي يناقش معه مباشرة القضايا العالقة بين البلدين، لكن أوباما رفض اللقاء لأن الحوار الأميركي – السوري لم يحقق أي نتائج إيجابية ملموسة ولأن النظام السوري لم ينفذ مجموعة من المطالب المتعلقة بلبنان و"حزب الله" و"حماس" والعراق وفلسطين وبالعلاقات السورية – الإيرانية. ومطلع هذه السنة زار سليمان باريس والتقى على انفراد الرئيس ساركوزي. وما أثار إنزعاج النظام السوري أن الرئيس الفرنسي حرص على أن يطلع من سليمان شخصياً على حقيقة ما يجري بين لبنان وسوريا وعلى أسباب التباطؤ في تنفيذ مجموعة خطوات وإجراءات أساسية لتحقيق "التطبيع" بين البلدين، أبرزها ترسيم الحدود وضبطها وتسوية قضية المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في سوريا ومعالجة مشكلة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتعديل الإتفاقات الموقعة في مرحلة الهيمنة السورية على لبنان. ووفقاً لهذا الديبلوماسي الغربي "فإن النظام السوري يرفض وجود شهود عرب وأجانب على مسار العلاقات اللبنانية – السورية ويرفض وجود حماية دولية وعربية للبنان المستقل لكنه ليس قادراً على تغيير هذا الواقع".
□ العامل السادس: هو إقدام ميشال سليمان على دعوة "هيئة الحوار الوطني" الى بدء إجتماعاتها في رعايته للتفاهم على إستراتيجية دفاعية يفترض إن تشمل مصير سلاح "حزب الله" وطريقة ضبطه واستخدامه وأن تكرس تمسك الدولة بقرار الحرب والسلم في التعامل مع إسرائيل. ومصدر الإنزعاج السوري أن نظام الأسد رأى ان سليمان، بدعوته هيئة الحوار الوطني الى بدء إجتماعاتها مطلع آذار الماضي، "أضعف" قمة دمشق التي انعقدت في 25 شباط وضمت الرئيسين السوري والإيراني والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، وأظهر للجهات الدولية والعربية المعنية أن هذه القمة ليست هي التي تمثل لبنان وتنطق بإسمه وتقرر مصيره وان "حزب الله" ليس هو الذي يحدد طريقة تعامل لبنان مع إسرائيل. كما أن النظام السوري يريد أن يكون هو، وبالتشاور مع إيران، صاحب القرار الأساسي في ما يتعلق بمصير سلاح "حزب الله" وبطريقة استخدامه من أجل أن يبقى لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل خدمة لمصالح دمشق وطهران. لكن سليمان، مدعوماً من الحريري ومن الغالبية العظمى من اللبنانيين، يريد التوصل الى تفاهم لبناني – لبناني على المقاومة ومصير سلاح "حزب الله" تكرسه إستراتيجية دفاعية تؤمن حماية للبنان وتنهي دوره كدولة المواجهة العربية الوحيدة مع إسرائيل وتجعل المقاومة في خدمة البلد.
ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "إذا كان نظام الأسد يريد فعلاً التعاون الجدي مع لبنان المستقل، فيجب أن يتعاون مع سليمان ومع الحريري ومع الإستقلاليين لأن ذلك شرط أساسي وضروري لتحسين العلاقات اللبنانية – السورية وتطبيعها".