هل يمكن القول إن الفيل الاميركي قرر اخيراً، بعد نصف قرن، ان يتحرك لوضع تسوية شاملة على طاولة الشرق الاوسط يلزم بها ثعالب اسرائيل التي أفشلت كل مساعي الحلول وضربت عرض الحائط بكل ما بذلته الادارات الاميركية المتعاقبة لايجاد حل ينهي الصراع العربي – الاسرائيلي، الذي شكل دائما منطلقا لمرارات العرب وكراهيتهم المتصاعدة حيال انحياز واشنطن الى تل ابيب؟
يوحي الخلاف المتصاعد بين باراك اوباما وبنيامين نتنياهو ان الامور تتجه نحو ازمة عميقة في العلاقات بين البلدين. فلم تعد القصة قصة مبعوث اميركي تعامله اسرائيل بازدراء، ولا قصة مقترح او خطة تضعها واشنطن فتلقيها تل أبيب في سلة المهملات. القصة الآن قصة رئيس اميركي قرر ان يدفع الحل في الشرق الاوسط وان يصل الى فرض ما يراه مناسبا وعادلا، منطلقا من امور ثلاثة:
❐ اولا: "اخذ المتطلبات المطلقة للامن الاسرائيلي في الاعتبار". وفي هذا السياق تتسع مروحة هذه المتطلبات لتشمل منع ايران من امتلاك السلاح النووي، وهو ما يراد منه قطع الطريق على نتنياهو الذي يحاول ان يقدم حل مسألة التهديد الايراني على التسوية السلمية. الرئيس الاميركي يتجه الى حل يبلور استراتيجية واحدة من شقين: التسوية السلمية وضمان اسقاط التحدي النووي الايراني في وقت واحد.
❐ ثانياً: "اخذ متطلبات السيادة الفلسطينية على نحو منطقي". هذا يعني اسقاط كل نظرية نتنياهو التي تقول إن الحل قائم الآن ويتمثل في واقع أن للفلسطينيين برلمانا وانتخابات ورئيسا للسلطة وآخر للحكومة وعلماً وشرطة وحكماً ذاتياً كاملاً وشبه دولة.
لكن اوباما يرى ان متطلبات السيادة الفلسطينية تقضي بالعودة الى كل ما سبق التفاهم عليه في مفاوضات "كمب ديفيد" عام 2000، ثم في طابا وغيرها. وخطته تتبنى هذه التفاهمات المتصلة بالحدود النهائية وحق العودة ووضع القدس عاصمة للدولتين. وفي هذا السياق يعود اوباما الى نقاط بيل كلينتون التي كانت قد انجزت 99 في المئة من بنود التسوية.
❐ ثالثاً: اخذ متطلبات التسوية الشاملة في الاعتبار، وهذا يعني ان الخطة ستطلق نقاشا على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية، وانها ستتسع لتشمل حال السلام والتبادل والاعتراف في المنطقة كلها.
ماذا تعني عودة اوباما الى إحياء كل الماضي التفاوضي الذي افترض الاسرائيليون انهم دفنوه؟
إنها تعني وضع نتنياهو وحكومته امام استحقاق جاد وحازم تقترحه اميركا التي حمت اسرائيل ودعمتها دائما. ولهذا فإن التحدي دقيق وقد يكون مكلفا. هناك معارك سياسية واعلامية سيخوضها نتنياهو لمحاصرة اوباما في الكونغرس وفي الإعلام الاميركي، وهناك معارك يخوضها اوباما منذ الآن لمحاصرة نتنياهو داخل المنظمات الصهيونية الاميركية "إيباك" و"جي ستريت" وكذلك في اسرائيل.
يستطيع نتنياهو الهروب الى الامام عبر انهيار حكومته، لكن الامر قد يكون مكلفا جدا اذا اتسعت رقعة الانقسام بين سياسة تل ابيب والاقتناع المتزايد في الاوساط الصهيونية الاميركية بأن من الضروري انقاذ اسرائيل من سياساتها وغرورها وحماقتها.
لا يستطيع اوباما ان يتراجع او يهرب بعد كل ما أُعلن حتى الآن، فهو لم يستحضر الجسارة والتصميم، بل استحضر الخبرة والتجارب عبر الاستماع الى آراء ستة من الذين تعاقبوا كمستشارين لشؤون الامن القومي (سكوكروفت – بريجنسكي – برغر – باول – كارلوتشي – ماكفارلين) اضافة طبعا الى مستشاره جيمس جونز. كلهم مع حل اميركي يهبط فوق الشرق الاوسط لينفّذ. وعندما يقال في البيت الابيض "إن التعامل التدريجي لم ينجح، ولا يمكن اميركا السماح ببساطة للمشكلة الفلسطينية بالتفاقم، وهو ما يعزز موقف ايران والعناصر المتطرفة الاخرى، وباعتبارنا قوة كبرى تتحمل مسؤوليات عالمية، علينا فعل شيء حيال ذلك"، قد لا يكون في وسع اوباما ان يتراجع !
هبّت رياح الازمة. اوباما يستعد لطرح مبادرته بعد اشهر. نتنياهو قرر ان لا يحمل معه الى واشنطن ردا على الشروط الاميركية. جورج ميتشل لن يأتي قريبا كما كان مقررا، والخلاف سيحتدم. واضافة الى احتمال سقوط حكومة نتنياهو، ترتفع مخاوف حقيقية من افتعال اسرائيل حربا ضد لبنان او غزة لخلق امر واقع يفرمل اندفاع اوباما!
وماذا يفعل العرب؟
يتفرجون يا طويل العمر… والبال!