ما دامت العلة في النفوس وليست في النصوص فقط
لا فرق بين صلاحيات واسعة أو ضيّقة لرئيس الجمهورية
موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية الذي يطرح في التداول من حين الى آخر، ويحظى بتأييد البعض واعتراض البعض الآخر او تحفظه، ليس هو ما يعرقل سير الحكم في البلاد سواء أكانت هذه الصلاحيات واسعة أم ضيقة، انما الموضوع هو موضوع ثقة بالرئيس والاطمئنان الى حسن ممارسته الصلاحيات التي يتمتع بها.
يقول سياسي مخضرم في هذا المجال إنه عندما كان رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات واسعة تمنحه حق حل مجلس النواب وتعيين الوزراء وتسمية رئيس من بينهم للحكومة واقالة الوزارة والوزير، كانت ترتفع أصوات محتجة على هذه الصلاحيات الواسعة كونها تجعل من رئيس الجمهورية "ملكا على جمهورية" ومن رئيس الحكومة "باشكاتب".
ولم يكن مرد هذا الاحتجاج الى الصلاحيات في ذاتها، وانما الى سوء الممارسة وعدم الأخذ أحيانا في الاعتبار الظروف السياسية السائدة ومشاعر فئة لبنانية تحس بالأذى والضرر أو بالغبن من جرائها، وذلك عندما كان رئيس الجمهورية يحل مجلس النواب، ليس خدمة لمصلحة وطنية، انما خدمة لمصلحة وأهداف سياسية، وعندما كان يسمي رئيس الحكومة ويعين الوزراء من دون أن يحسب حسابا لرغبات فئة لبنانية وتحديدا الطائفة السنية عندما يكون من سمّاه رئيسا لا يمثل هذه الطائفة تمثيلا صحيحا ولا يعبّر عن تطلعاتها، وكذلك الأمر عند اقالته او اقالة أي وزير لأنه يختلف في الرأي مع رئيس الجمهورية، فتنشأ عن ذلك أزمات قد تبلغ أحيانا حد الاضطراب الامني او الفتنة الداخلية، فيما كان رؤساء للجمهورية عندما يشعرون بدقة الظرف السياسي والحساسيات الطائفية يتجنبون استخدام هذه الصلاحيات محافظة منهم على استقرار الوضع السياسي والامني في البلاد. ولم تكن الصلاحيات الواسعة مع هذه الممارسة الحكيمة موضوع شكوى وتذمر أي فئة لبنانية.
وعندما قلص دستور الطائف صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث لم يعد له حق حل مجلس النواب إلا بشروط شبه تعجيزية ولا تسمية رئيس الحكومة إلا بعد استشارات نيابية ملزمة بنتائجها، ولا إقالة الحكومة او الوزراء بمفرده، ولا دعوة مجلس الوزراء وترؤس جلساته، ولا حق التصويت على المشاريع والمواضيع التي تطرح فيها، أي أن السلطة الاجرائية بعد تعديلات دستور الطائف انتقلت من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا.
وقد يتبين بالممارسة وبعد الصلاحيات التي تبقّت ان رئيس الجمهورية لم يعد حاكما ولا حتى حكَما، ليس لأنه فقد حق حل مجلس النواب عندما تصطدم السلطة التنفيذية بالسلطة الاشتراعية فقط، بل أن يكون ولو حكما في المواضيع التي تثير الخلافات فصار يتهم بأنه طرف في الخلاف او منحاز الى هذا او ذاك اذا ما حكم فيها، وهذا يدل على أن المسألة ليست مسألة نصوص بل مسألة نفوس، وليست مسألة صلاحيات بل ممارسات ترضي هذا الطرف او ذاك.
لقد حُرم رئيس الجمهورية حق حل مجلس النواب كي لا يمارس هذا الحق بخلفيات سياسية وكيدية، وحرم حق تسمية رئيس الحكومة والوزراء كي لا يجعل النظام في البلاد نظاما رئاسيا، وحرم حق التصويت في مجلس الوزراء كي يحافظ على حياده من الجميع. لكن اذا كان رئيس الجمهورية لم يعد حاكما بتجريده من كل هذه الصلاحيات فليبق على الاقل حكما بموجب ما تبقى له من صلاحيات، حتى أن هذا الحق يعترض عليه البعض عندما يمارسه ويتهمه بالانحياز لهذا الطرف او ذاك، ويتعرض لحملات المغرضين والمتجنين. فاذا طرح على التصويت موضوعا مثيرا للخلاف تطبيقا للمادة 65 من الدستور ولم تأت النتيجية لمصلحة طرف فانه يتهم بالخروج على حياده وفقدانه صفة الرئيس التوافقي لمجرد أن يصوت من هم محسوبون عليه من الوزراء مع هذا الطرف او ذاك، وكأنه لا يزال يملك حق التصويت عبرهم بعدما حُرم شخصيا هذا الحق، وعندما حسم الخلاف في هيئة الحوار الوطني حول موضوع "المقاومة" بموافقته على حذف العبارة المتعلقة بها في البيان الصادر عن هذه الهيئة، اتهمه من هم مع المقاومة بأنه ضدها، ولو أنه فعل خلاف ذلك لاتهمه الطرف الآخر بالانحياز الى الطرف المناصر للمقاومة، فكيف يكون الرئيس حكما اذا لم يحكم بموجب ضميره وبوحي من مصلحة الوطن التي يقدمها على أي مصلحة أخرى، فحياده لا يعني ألا يكون حكما ولا يكون له رأي بل رئيسا يترك الخلافات تأخذ مداها وهو يتفرج… والرئيس التوافقي لا يعني ألا تكون حكما ولا يكون له رأي بل رئيسا لترك الخلافات تأخذ مداها وهو يتفرج… والرئيس التوافقي لا يعني ألا تكون لهه كلمة في مسعى منه للتوفيق والتوصل الى اتفاق حتى اذا ما تعذر ذلك قال كلمته ليس لمصلحة هذا الطرف او ذاك بل لما فيه مصلحة الوطن من دون سواها.
لذلك فالعلة ليست في النصوص بل في النفوس، وليست في صلاحيات واسعة أو ضيقة انما في الممارسات. فعندما يضع الجميع ثقتهم برئيس البلاد ينبغي عليهم أن يخضعوا لحكمه ولرأيه، وإلا فان صلاحياته مهما كانت ضئيلة مع انعدام هذه الثقة لا يستطيع ممارستها مخافة إغضاب هذا الطرف او ذاك.
والعلة في دستور الطائف ليست في أنه قلص صلاحيات رئيس الجمهورية الى حد أنه جعله غير حاكم بل لأنه جعل تطبيق عدد من مواد الدستور منوطا باتفاق بينه وبين رئيس الحكومة ومنها على سبيل المثال: المادة 33 التي تجعل افتتاح العقود العادية واختتامها يجريان حكما في المواعيد المحددة في المادة 32 ولكن بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والمادة 52 التي تنص على أن يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، والبند 12 من المادة 53 التي تعطي رئيس الجمهورية حق دعوة مجلس الوزراء استثنائيا كلما رأى ذلك ضروريا ولكن بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وكذلك ربط تشكيل الحكومة بالاتفاق بينهما حتى اذا لم يتفقا كانت أزمة وزارية مفتوحة.
هذه المواد الدستورية وغيرها التي تربط تطبيقها بشرط الاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ماذا يحصل لو تعذر التوصل الى هذا الاتفاق؟ أفلا يكون ذلك سببا من الاسباب التي تجعل الخلاف يعصف بشدة بين رأسي السلطة الاجرائية ويولّد أزمة مفتوحة على شتى الاحتمالات؟
الواقع، أن من كان يحسم الخلاف بينهما كان الخارج الذي له نفوذ في لبنان، وهذا الخارج كانت سوريا بوصايتها على لبنان مدة 30 عاما تحسمه تارة لمصلحة هذا وطورا لمصلحة ذاك وكما تقضي مصلحتها… أما الآن فمن يحسمه؟