لا يملك 8 آذار ما يكفي من رصيد لتغطية خطابه الانتصاري داخلياً
.. عندما تُطالَب 14 آذار بإشهار "هزيمتها التاريخية"
هناك من يطالب، وبكثرة وإلحاح في الآونة الأخيرة، وعند كل مناسبة، بأن تقرّ حركة 14 آذار بـ"هزيمتها التاريخيّة"، وأن يكون هذا الإقرار شاملاً لكافة ملل وتلاوين هذه الحركة، وأن تكون نتيجته المباشرة فرط رابطة الوحدة الإسلاميّة المسيحيّة التي تمدّ هذه الحركة بأسباب القوّة والشرعيّة، والتي يقوم عليها بنيانها وكفاحها.
في الحقيقة، تشبه حال من يطالب حركة 14 آذار بإعلان "هزيمتها التاريخية" وفرط وحدتها الإسلاميّة المسيحيّة، حال من خرج يُطالِب المجتمع المدنيّ في تشيكوسلوفاكيا بإشهار "التوبة" بعد التدخّل السوفياتيّ ضدّ "ربيع براغ" في آب 1968، أو هي كحالة من خرج يُطالِبُ الطبقة العاملة البولنديّة بالإنفصال عن الكنيسة الكاثوليكيّة، والخضوع مجدّداً للآلة الشموليّة بعد إنقلاب الجنرال ياروزلسكي وفرض الأحكام العرفيّة في كانون الأوّل 1981. وإنّا نذكر هذين المثلين بالتحديد، لأن استهداف موقع الكنيسة المارونيّة وعلاقتها العضويّة بثورة الأرز مشابه لإستهداف موقع الكنيسة الكاثوليكيّة في صفوف الطبقة العاملة البولنديّة، ولأنّ استهداف المجتمع المدنيّ والمثقفين بعد "ربيع براغ" يجد استمرارية له في استهداف ذاك التقليد المدنيّ الديموقراطيّ الإستقلاليّ الممتدّ من تجربة "لقاء قرنة شهوان" إلى تجربة "الأمانة العامة لقوى 14 آذار".
والمفارقة في هذا المجال أنّ حركة التحرّر الوطنيّ والإنعتاق الديموقراطيّ اللبنانيّة التي اسمها 14 آذار، تطالب باعلان هزيمتها التاريخية رغم أنّ "ربيعها" لم يتعرّض لتدخّل مشابه لـ"عملية الدانوب" التي نفّذتها جيوش "حلف وارسو" في ليلة ظلماء ضدّ "ربيع براغ"، ورغم أنّ لا حظّ لدى أخصامها في إعلان الأحكام العرفيّة في وجهها كما حصل في بولندا بداية الثمانينيات، يومَ أباحَ النظام الماركسي اللينيني القتل العشوائيّ للعمّال المضربين.
ليسَ هناكَ شيء من هذا القبيل بالنسبة إلى حركة 14 آذار. كل ما هناك هو "جرعة تذكيريّة بأحداث 7 أيّار" يضخّها إعلام 8 آذار وتضاف إليها "جرعة تذكيريّة بمؤامرة حلّ القوّات اللبنانية"، ودائماً من جانب الإعلام نفسه.
ولأجل ذلك يمكن المجازفة بـ"تلخيص" الواقع اللبنانيّ بالقول: إنّ "7 أيّار 2008" هو "نصف إنقلاب مسلّح" ما زال يستحضر لمواجهة "نصف ثورة جماهيريّة" حشدت مليوناً ونصف المليون من اللبنانيين يوم 14 آذار 2005. إنّها طبيعة الأزمة الأهليّة والسياسيّة اللبنانية منذ سنوات: نصف إنقلاب مسلّح في مواجهة نصف ثورة جماهيريّة.
وقانون الإنقلابات كما قانون الثورات يقول إنّه لا يمكن لنصف إنقلاب أن ينجز ما كان لينجزه إنقلاب كامل، كما لا يمكن لنصف ثورة أن تنجز ما كانت لتنجزه ثورة كاملة. إنّ لعدم الذهاب إلى قصر بعبدا في 14 آذار 2005 تبعاته التاريخية الوخيمة على الحركة الإستقلالية، كما أنّ لعدم الدخول إلى سرايا بيروت الحكوميّة تبعاته التاريخية الوخيمة على المشروع الفئويّ الشموليّ المهيمن في 8 آذار.
من يطالب الحركة الإستقلالية بصكّ "الهزيمة التاريخيّة"، هو من يريد أن يزّور هذه المعادلة التاريخيّة، معادلة أنّ الأزمة الأهلية تدور رحاها بين "نصف ثورة جماهيريّة" عام 2005 قابلها "نصف إنقلاب مسلّح" عام 2008. وهذا التزوير للتاريخ يقود حتماً المطالبين به إلى حافة الهذيان، إذ هم لا يكتفون بتوصيف "7 أيّار" على أنّه حدث "تاريخيّ" بل يتطوّعون له أيضاً بصفة "العالميّة"، مفترضين أنّ تاريخ العالم أجمع تبدّل رأساً على عقب بعد بضعة أيّام ميليشياويّة متفاوتة في السخونة في بلد صغير كلبنان.
إنّه لمثير حقّاً كيفَ يدمغ أيّ حدث لبنانيّ بصفة "التاريخيّة"، وكيف يجري التعامل مع تشنّجات الخطاب السياسيّ والإعلاميّ كما لو أنّها حاوية "لفلسفة التاريخ". هاتان السمتان تكونان موجودتين عند كافة الظواهر الرئيسية على مرّ تاريخ لبنان الحديث، إلا أنّها تبلغ المدى الأقصى في الخطابين السياسيّ والإعلاميّ لقوى 8 آذار، لا سيّما عندما تتوجّه هذه القوى، التي خسرت استحقاقين انتخابيين متتاليين، إلى حركة 14 آذار بالمطالبة بإعلان "الهزيمة التاريخية".
تريد قوى 8 آذار أن تنال بـ"7 أيّار" ما لم تنله "الشموليّة السوفياتية" لا عند التدخل في براغ عام 1968، ولا عند فرض الأحكام العرفية في بولندا 1981، هذا مع أنّ حدث "7 أيّار" حدث "موضعيّ" بكل ما للكلمة من معنى. لم يكن إنقلاباً، كان نصف إنقلاب، ونصف الإنقلاب غير كاف لمواجهة ثورة حتى لو كانت هذه الثورة هي نصف ثورة.
في بولندا عام 1981 قام الجنرال ياروزلسكي بانقلاب كامل، وفرض الأحكام العرفية، ولأجل ذلك يستحق ياروزلسكي أن يصير نموذجاً أعلى بالنسبة إلى كل الحانقين في دخيلتهم لأن 7 أيّار لم يأت كاملاً كما انتظروا.. وكتبوا.. أو ما زالوا يكتبون.
لكن الجنرال ياروزلسكي الذي أنجز على الأقل "7 أيار" كاملاً، وجد نفسه مضطراً الى أن يقنع نفسه وشعبه في كتاب مذكراته "إعلان حالة الحرب" أنّه لجأ إلى حالة الطوارئ لتفادي اجتياح سوفياتي لبلده، وأنّه تجرأ بالسماح بزيارة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني رغم انزعاج موسكو، بل وصل به المقام حدّ الإدعاء بأنّ البابا الراحل كان يتفهّم خطواته "الديكتاتورية" تلك.
فليقرأ أهل إعلام 8 آذار مذكّرات الديكتاتور البولندي الملاحق.. لعلّهم يجدون نفسهم مضطرّين هم أيضاً ولو بعدَ حين إلى أساليب "تبريريّة" من هذا النوع.
أمّا "قوى 14 آذار" فقد آن لها أن تعي المعادلة التاريخية بجانبيها: 14 آذار 2005 بقي نصف ثورة، ولهذا تبعاته التاريخية الوخيمة، و7 أيّار كان نصف إنقلاب، ولهذا تبعاته التاريخية الوخيمة أيضاً، والفارق في الحالتين أنّ نصف الثورة كانت جماهيرية وبقيت سلمية، في حين أن نصف الإنقلاب جاء مسلّحاً ولم يكن حركة جماهيريّة. ليس هذا الفارق "أخلاقيّاً" فقط.. إنّ له نتائج سياسيّة عميقة ولو بعد حين، إنّما ينبغي للزمن وقت، وينبغي التحضّر لإستقبال الزمن الجديد حالما يأتي.