انسحاب كتلة نيابية من جلسة لمجلس النواب، او من جلسة لاحدى اللجان النيابية، او من جلسة مشتركة لعدد من اللجان النيابية، كما حصل بالامس، هو حق من حقوق النائب او النواب، يضمنه له او لهم، النظام الديموقراطي البرلماني الذي يتمتع به لبنان، خلافاً لمعظم الانظمة العربية، ان لم تكن كلها، وقد جرت العادة في المجالس النيابية السابقة، ان تنسحب الكتلة النيابية بكامل اعضائها احتجاجاً على قانون معيّن او جوّ معين، لا ان ينسحب بعض نواب الكتلة ويبقى القسم الاخر، متمترساً في مقعده، كما حصل بالامس لنواب تكتل التغيير والاصلاح، حيث خرج احد النواب احتجاجاً على عدم اقرار الاصلاحات او التعديلات التي أدخلها الوزير زياد بارود على قانون الانتخابات البلدية، واعلن من «صحن» مجلس النواب – تعبير كان يحبه النائب المرحوم نهاد بويز – نعي الاصلاحات، وشن حملة عالية الصوت والنبرة ضد زملائه النواب الذين اجهضوا هذه الاصلاحات التي ربطها العماد ميشال عون رئيس التكتل في احد تصاريحه السابقة، بموافقته على عدم تقسيم بيروت الى ثلاث بلديات، وهدد يومها بأن هذه الانتخابات لن تحصل «ولو نزلت السماء على الارض» وعاد بعدها، وبمفعول الخبز والملح بينه وبين رئيس الحكومة سعد الحريري و«قبل» خوض الانتخابات على اساس القانون النافذ، مع «حصّة» قد يحصل عليها.
اللافت ان زملاء النائب نبيل نقولا، في التيار الوطني الحر، وفي تكتل التغيير والاصلاح، لم يتضامنوا كلهم معه، ولم ينسحبوا كما انسحب، ويظهر ان بعضهم غير مقتنع بهذه الاصلاحات، او ببعضها، والبعض الآخر، ترك للنائب نقولا شرف ان يكون رأس الحربة في «خطبة النعي» هذه، وفي تحريضه الناخبين على معاقبة الذين وقعوا على الاصلاحات ثم تراجعوا، والنائب نقولا يعرف، ان حلفاء له وقعوا وتراجعوا، وان بند اعتماد النسبية في الانتخابات البلدية، كان «الهمّ» الذي يؤرق حلفائه، اكثر مما يزعج خصومه، بالاضافة الى ان بعض استقصاءات الرأي التي طلبها بعض القيادات ليعرف كيف «يهبّ الريح» شعبياً، اكد ان اغلبية الناس تقبل النسبية نيابياً وترفضها بلدياً، لأن تطبيقها يحرم عائلات عديدة من التمثيل، خصوصاً اذا كان مرشحوها في وسط اللائحة نزولا حتى ذيلها، ولذلك فان الغضب كان يمكن ان يكون مبرراً، لو تم تأجيل الانتخابات البلدية، خلافا لما ينص عليه القانون، ويرفضه الدستور، ولكن احترام المواعيد والاستحقاقات الاساسية في بلد يعتمد النظام الديموقراطي، يعطي شعب هذا البلد ودولته احتراماً وصدقية لدى دول العالم كافة، يغطيّان الى حدّ ما تعطيل مجلس النواب سابقاً، وتعطيل موعد انتخاب رئيس للجمهورية، وهما تعطيلان ساهم فيهما نواب تكتل التغيير والاصلاح مساهمة كبيرة وفاعلة.
* * *
وما دام الشيء بالشيء يذكر، كيف يمكن تفسير بكاء بعض النواب على تأجيل الاصلاحات الى دورة مقبلة، وفي مقدمهم نواب التغيير والاصلاح، و«استقتالهم» في الدوحة لاعادة اللبنانيين حوالى50 سنة الى الوراء والافتخار بأنهم اعادوا حقوق المسيحيين الى اصحابها، مع معرفتهم الكاملة، بأن المتغيرات الديموغرافية والطائفية والسياسية لم تعد تتناسب مع ما كان يصح في قانون الستين، خصوصاً وانهم لم يصرّوا على اعتماد القضاء دائرة واحدة في كل لبنان، ولذلك نجح نواب مسيحيون بأكثر من مائة الف صوت مسلم وحوالى الف صوت مسيحي فقط لا غير، علماً بأن الهيئة الوطنية التي كان يرأسها الوزير السابق فؤاد بطرس، ومن اعضائها الوزير الحالي زياد بارود، كانت وضعت قانوناً عصرياً متوازناً للانتخابات، لم يؤخذ به، كما لم يؤخذ بقانون الدائرة الفردية ولا بقانون الصوت الواحد، وكلها كانت افضل من قانون الستين.
المهم الآن، ان الانتخابات البلدية ستجرى في مواعيدها المحددة بموجب القانون، والفضل في هذا الانجاز يعود الى الرئيس العماد ميشال سليمان، والى رئيس الحكومة سعد الحريري، ووزير الداخلية والبلديات زياد بارود، وهذه الانتخابات فرصة لتجديد الدم في عروق المدن والبلدات، وفرصة لتجديد الثقة بالمجالس البلدية ورؤسائها، او بسحب هذه الثقة منهم ومن قياداتهم السياسية، اذا كانوا مسيّسين وليسوا انمائيين، وعند الامتحان يكرم المرشح او يهان.