غريبة عجيبة هذه التركيبة الكيميائية المتناقضة لدى بعض الدولة والبعض في بعض الاجهزة في الدولة، فمنذ 48 ساعة على الاقل ولبنان ساحة معارك واشتباكات متنقلة بين الضاحية والبقاع وقوسايا تستعمل في خلالها الاسلحة الثقيلة فيما القوى الشرعية انهمكت على مدار اسبوع في تطويق وملاحقة مسلحين في عين ارغش. وتبين بنتيجة التحقيقات وفي ظل الحملة الهستيرية التي وجهت ضد "القوات اللبنانية" والتي انتهت كالعادة باعلان افلاس حاملي لوائها: "ان المدعوين جوزف وحبيب طوق اقدما " على اطلاق النار تهديدا وارهابا بواسطة "ار بي جي" واسلحة غير مرخصة على عدد من المواطنين بالاضافة الى حيازة اسلحة خفيفة ومتوسطة وقنابل يدوية حربية قديمة من دون ترخيص"، ما شكل جنحة موصوفة تصل عقوبتها في حدها الادنى الى ثلاث سنوات سجن.
لا نريد ان يفهم كلامنا بانه انتقاد لدور الجيش او لقوى الشرعية والقضاء في ملاحقة كل مخل بالامن مهما كان ومحاكمته، بل على العكس فلاننا ام الصبي ولاننا مناضلون من اجل قيام الدولة القوية القادرة السيدة على ارضها واقليمها. نود ونرغب حقيقة في ان تبسط الدولة وقواها الشرعية وقضاءها سلطانهم الفعلي على كامل التراب الوطني وعلى جميع رعايا الدولة الاصليين والمقيمين والطارئين والمتسللين. فاننا نقف بتعجب كبير امام المشهد المتناقض الذي شاءت الاقدار ان تبرز كافة حلقاته في ان واحد لملاحظة التقصير والاعوجاج في معالجة القضايا الامنية – بما يؤكد وجود صيف وشتاء تحت سقف بعض الدولة وبعض المسؤولين في بعض اجهزة الدولة الامنية والعسكرية في ان.
فالاراضي اللبنانية تشهد منذ اكثر من يومين اشتباكات وسيبان للسلاح غير الشرعي في المناطق، ولا احد من بعض السلطة وبعض البعض في الاجهزة الامنية والعسكرية يحرك ساكنا او يصدر بيانا توضيحيا بما يحصل ليشرح للبنانيين "المروعين" ماهية اصوات القذائف والرشقات النارية التي تحاصرهم في مناطق وجودهم السائبة والمسيبة فيما تصاريح رسميين في الدولة لم يتوانوا عن الادلاء بها لشرح حادثة عين ارغش. وبعضهم من ابواق النظام الامني البائد وصلوا الى حد اتهام "القوات اللبنانية" والمطالبة بمحاكمتها، معيدين البلاد الى اجواء التصادم والتوترات السياسية القديمة ومسقطين الهدنة السياسية والاعلامية التي كان الفرقاء كافة قد توافقوا عليها منذ تشكيل الحكومة الحالية.
نتكلم عن تركيبة كيميائية متناقضة لدى هذا البعض في الدولة، كي نلقي الضوء على الامور التالية بكل روح صراحة وشفافية وصدق:
اولا: لا يزال البعض من بعض الدولة والاجهزة الامنية والعسكرية يعتمد اسلوب الانحياز في معالجة القضايا والثغرات الامنية في البلاد بما يعزز الانطباع بان ثمة مَن مِن داخل الاجهزة الامنية والعسكرية "يتشاطر" على فريق لبناني فيما يتساهل مع فريق اخر.
نقولها بأسف وبنية التصحيح لا بنية الانتقاد او الطعن في صدقية ومصداقية اي جهاز او قوة عسكرية او امنية شرعية التي نحترمها جميعا ونسعى جاهدين في "14 اذار" الى تعزيزها وتقويتها لتكون فعلا على قدر التحديات الامنية والميدانية التي تواجه وقد تواجه مستقبلا البلاد.
ثانيا: لا نفهم كيف يمكن ان تغيب الدولة عن ما يحصل من معارك واستعمال سلاح ثقيل على اراضيها من قبل قوى وميلشيات ولو عائلية او عشائرية (نعلم جميعا بالنتيجة اصل انتماءاتها والجهات السياسية الواقفة وراءها رغم نفي المراجع لعلاقاتها بما يحصل) – فيما تستنفر الدولة بكافة اجهزتها للقبض على مواطنين مخالفين للقانون في عيون ارغش؟
انه سؤال مواطن لبناني لا بل سؤال الاف المواطنين الذين يدفعون ضرائبهم لدولتهم كي نحميهم اولا من سلاح غير شرعي وكي تتجاسر وتشرح لهم على الاقل ما يحصل وكيف تنوي ضبط ما يحصل ومعالجة الاسباب لا الاكتفاء بتسيير دوريات وتطويق حادث من هنا ما يلبث ان ينفجر هناك.
فبقدر ما الشرح واجب على الدولة لمواطنيها بقدر ما هو حق للمواطن بان يعلم وبان يفرض على دولته حمايته وتأمين امنه واستقراره.
ثالثا: تركيبة كيميائية تفاضل بين ابناء الوطن وبين منطقة واخرى – علما ان القانون يجب ان يطبق على الجميع كما يقال في معاهد ومدارس الاعداد الوطني وفي عقيدة اجهزة الدولة – فلا نرى في حقيقة الامر الى الان الا العكس تماما. وكأنه بات في لبنان من هو ابن " فرفور " ومن هو ابن "ترتور " – فاذا كان البعض يريد حماية المقاومة وسلاحها فلا نظن ان حماية المقاومة تمر عبر فوضى السلاح في الداخل.
واذا كان البعض يعتبر سلاح آل جعفر وآل علاو وآل ناصرالدين مع احترامنا لكل العائلات والعشائر – وفلسطينيي قوسايا وكفرزبد استكمالا لسلاح المقاومة (غير الشرعي بذاته وحتى تحقيق وحدة وطنية واجماع عليه) وامتدادا له وبالتالي مشمولا بالعذر المقدس وبالحق الالهي في استباحة الوطن وامن المواطن فليسمحوا لنا لكن لا حق لاحد في ان "يستوطي حيط" الشعب ولا مجال لان نقبل بهذا الفلتان الميداني الامني.
رابعا: والادهى وللاسف وبالاذن من الحلفاء والاحباء في الحكومة، ما نلاحظه من انفصام في شخصية السلطة التنفيذية حيال ما يحدث على الارض. ففي حين ينهمك مجلس الوزراء في بحث التعيينات والتصارع على الاليات وعلى تعديلات قانونية من هنا وهناك، لا نرى الحكومة تصدر ولو بيانا واحدا او تعقد اجتماعا استثنائيا او تدعو اليه منذ اكثر من يومين لبحث الفلتان الامني في المناطق. وكأن الدولة في وادٍ والارض والميدان في وادٍ اخر. ومع الشكر والتقدير للاجهزة والامنية والجيش الذين يقومون باتخاذ الحدود الدنيا من التدابير الميدانية لتطويق الاحداث المتنقلة، الا ان ما يحصل بحاجة الى موقف رسمي حازم من اعلى الهرم بدءا من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء عبر بيان اقله يفهم القاصي والداني والعابثين بامن المواطن بأن لا مجال للاستمرار في هذا الجو من السيبان والتسيب …
خامسا: طبعا ثمة من سيقول لنا ان الواقع معروف من الجميع وان السلاح منتشر بين ايدي اللبنانين والفلسطينين بكثافة بما بات من ثوابت الحياة اللبنانية، فهل نترك الفلتان اذا يتصاعد وعدم الاستقرار الامني يتنقل ونحن على ابواب موسم اصطياف جديد ووعود سياحية واقتصادية متفائلة؟
واخيرا وليس اخرا، وانطلاقا من مجمل هذه الملاحظات اعلاه نسأل ابواق النظام الامني اين قيامتهم وصيحاتهم وتصاريحهم النارية المطالبة الدولة بتوقيف ومحاكمة الفاعلين ودهم مستودعات السلاح وضبط المخدرات ومحاكمة القوى السياسية الواقفة وراء مسببي الفلتان الامني وهم "اهتاجوا" على طن تبن حشيش (اي نفايات الحشيشة) في عيون ارغش … فاين مواقفهم الداعمة للقانون والسلطة وبسط الامن؟ كما اتحفونا في نفخ سمومهم ضد "القوات اللبنانية" و"14 اذار" في مواقفهم الشهيرة الاخيرة؟
فرجاء ايها المسؤولون في الدولة والاجهزة الامنية والعسكرية الذين نحترم ونقدر – قولوا كلمتكم وكونوا عادلين ولا تدعوا نواطيركم تنام عن فوضى السلاح …