لئلا يتكرّر ما حصل في تعديل قانون الانتخابات البلدية والاختيارية
وجوب إصلاح ما ينبغي إصلاحه في القوانين والدستور منذ الآن
أبدى مسؤول سابق أسفه لأن يصبح موضوع الاستحقاقات الدستورية عرضة للنقاش والجدل ولا تكون المواعيد المحددة لها محترمة، تارة بحجة اقتراح اصلاحات وتعديلات وطورا بحجة الظروف، وهو وضع لم يكن سائدا في الماضي. فالنواب كانوا يحترمون مواعيد كل استحقاق سواء لانتخاب رئيس الجمهورية او رئيس مجلس النواب، او لاجراء انتخابات نيابية وبلدية واختيارية، واذا ما طرحت تعديلات او اصلاحات فان مناقشتها والمصادقة عليها كانتا تتمان قبل حلول مواعيد الاستحقاقات، والا اصبح في استطاعة كل من يريد تعطيل هذه المواعيد ان يقترح تعديلات على القانون بحجة تطويره وتحديثه ليحول دون اجراء الانتخابات في المواعيد المحددة لها.
فقبل موعد الانتخابات الرئاسية يستطيع من يريد تأخير اجرائها طرح تعديل المادة 49 من الدستور، إما لجهة اجازة اعادة انتخاب الرئيس لولاية جديدة لتجنب تعديلها كل مرة، وإما لجهة اجازة انتخاب القضاة وموظفي الفئة الاولى من دون اشتراط استقالتهم وانقطاعهم فعليا عن وظيفتهم قبل سنتين من موعد الانتخابات، او ان يقترح من يريد تعطيل انتخابات الرئاسة الثانية تعديل المادة 44 لجهة تحديد الولاية بسنتين وليس بأربع سنوات كما تنص حاليا، او عدم التجديد لرئيس المجلس الا مرة واحدة، او ان يقترح من لا يناسبه اجراء انتخابات بلدية واختيارية ادخال تعديلات او اصلاحات على القانون لوضع الناخبين بين خيارين: اما اجراء هذه الانتخابات على اساس القانون المعمول به، وإما تأجيلها الى ان يتم اقرار قانون جديد لها.
لقد اعلن وزير الداخلية والبلديات زياد بارود ان لديه تعديلات اصلاحية على قانون البلديات لكنه يخشى ان يحول ضيق الوقت دون اقرارها، وقد صح ما توقعه، لان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية استغرق خمسة اشهر ومناقشة التعديلات في مجلس الوزراء استغرق خمس جلسات، وانتقال مناقشتها الى مجلس النواب من لجنة الى لجنة استغرق ايضا جلسات عدة الى ان انتهى الامر باجراء الانتخابات البلدية والاختيارية على اساس القانون النافذ. واذا كان لا بد من اقرار هذه التعديلات فليكن تطبيقها في الانتخابات اللاحقة اي بعد انتهاء ولاية المجالس البلدية والاختيارية التي ستنبثق من الانتخابات المقبلة.
ويضيف المسؤول نفسه ان الحرص على احترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية يتطلب من الحكومة ومن مجلس النواب قطع الطريق منذ الآن على ذريعة تأجيل هذه المواعيد ما لم تواجه البلاد ظروفا استثنائية قاهرة مثل الحروب والزلازل وما شابه.
لذلك ينبغي ان يتم درس قانون جديد للانتخابات واقراره اذا كان القانون الحالي لا يؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله وفعالية ذلك التمثيل وذلك بخفض سن الاقتراع الى 18 سنة وتمكين اللبنانيين الموجودين خارج لبنان من الاقتراع حيث هم واعتماد النظام النسبي في الانتخابات مع الصوت التفضيلي بدلا من النظام الاكثري، لا ان يؤجّل البحث الى اللحظة الاخيرة من موعد الانتخابات فيوضع الناخبون بين امرين: اما تأجيل الانتخابات الى حين اقرار هذه التعديلات، واما اجراؤها على اساس القانون الحالي… وهو ما حصل في الانتخابات البلدية والاختيارية.
واذا كان ثمة من يريد اعادة النظر في المادة 44 من الدستور لجهة جعل ولاية رئيس مجلس النواب ونائبه سنتين بدلا من اربع سنوات، او اجازة التمديد لهما مرة واحدة فقط، بدعوى انه لماذا لا يجوز التجديد لرئيس الجمهورية الا بتعديل المادة 49 من الدستور بينما يجوز التجديد لرئيس مجلس النواب بلا حدود، ومن يريد اعادة النظر في المادة 49 من الدستور المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية وذلك في ضوء التجارب التي مرت بها هذه المادة، فينبغي البحث في ذلك منذ الآن وليس في اللحظة الاخيرة من موعد الانتخابات، فيصبح هذا الموعد معرضا للتأجيل الى ان يتم التوصل الى اقرار التعديلات المقترحة على هذه المادة التي يرى المسؤول نفسه انها باتت في حاجة الى اعادة نظر، ولا سيما بالنسبة الى تعدد التفسير والاجتهاد للنص الآتي الوارد في هذه المادة: "ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي". وقد اختلفت التفسيرات والاجتهادات حول هذا النص، فمنهم من اعتبر ان غالبية الثلثين ينبغي ان تكون مؤمنة لانتخاب رئيس الجمهورية في كل دورة لئلا يفوز باصوات ضئيلة تجعله لا يمثل غالبية الشعب تمثيلا صحيحا من خلال من انتخبه من النواب، بل يمثل فئة من دون اخرى، وهذا قد لا يمكّنه من الحكم او من ان يكون رئيسا لكل البلاد، ومنهم من اعتبر ان غالبية الثلثين ضرورية في الدورة الاولى للاقتراع وليست ضرورية للدورات التالية، والا اصبح في استطاعة ثلث العدد الذي يتألف منه مجلس النواب تعطيل النصاب والحؤول دون اكتماله، وهو ما حصل في الانتخابات الرئاسية الاخيرة، وواجهت البلاد من جراء ذلك فراغا رئاسيا دام اشهرا عدة. ومن اجل الحؤول دون تكرار ذلك في انتخابات رئاسية مقبلة، ينبغي وضع نص صريح وواضح للمادة 49 بحيث يكون حضور النواب جلسات انتخاب رئيس الجمهورية الزاميا، وعدم التغيب عنها الا بعذر مشروع، هذا اذا كان انتخابه يتطلب في كل دورة حضور ثلثي عدد النواب. فعندما يصبح حضور النواب الزاميا، لا يعود في الامكان تعطيل النصاب بل يصبح على النائب واجب الحضور والاقتراع لمن يريد لرئاسة الجمهورية او وضع ورقة بيضاء في صندوق الاقتراع. واذا اعتبر البعض ان تغيّب النواب عن اي جلسة نيابية بما فيها جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، هو من ضمن الممارسة الديموقراطية وتعبير عن رفض انتخاب المرشح المقترح، فينبغي عندئذ اعتبار الجلسات في الدورات التي تلي الدورة الاولى قانونية بحضور نصف عدد النواب زائدا واحدا وذلك للحؤول دون ممارسة لعبة من يريد إحداث فراغ رئاسي، او ان يكون حضور النواب الزاميا في الدورة الثالثة لانتخاب رئيس الجمهورية بعد ان يتعذر اكتمال النصاب المطلوب في الدورتين الاولى والثانية.
ان الطريقة التي اعتمدت لاقرار تعديلات اصلاحية على قانون البلديات والمختارين شكلت مضيعة للوقت وفرضت العودة الى القانون الحالي. لذا مطلوب من الحكومة ومن مجلس النواب، احتراما منهما لمواعيد الاستحقاقات الدستورية، البحث منذ الآن في ما يحتاج الى تعديل في القوانين وفي الدستور.