#adsense

فحصل ما حصل

حجم الخط

يبدو أن البلبلة الأمنيَّة والسياسيّة لها مَنْ يريدها، ومَنْ يشجٍّعها على الاستمرار، ولو متقطٍّعة ومتنقّلة. ولغاية في نفس يعقوب.
كذلك الأمر بالنسبة الى الاستقرار الذي أشدُّ ما يكون لبنان حاجة اليه في هذه المرحلة، الدقيقة والحسَّاسة، لبنانيّاً وعربيّاً واقليميّاً.

ثمة من يختصر الأحداث الأخيرة وتفاصيلها بالقول إنها نتيجة "سياسة" قديمة العهد، تحاول الآن أن تسترجع مطرحها ودورها. إنما بالاسلوب عينه.
وما حصل الخميس الفائت في جرود كفرزبد لا يعدو كونه "عيّنة أولى"، وضمن البرنامج الأوسع والأشمل، حيث لم يعد من المستبعد تكرار هذا المشهد المقلق في مواقع أخرى، وفي سهول أخرى، وفي مخيَّمات أخرى. وبأساليب ولأسباب شتّى.

ومن باب اظهار الوضع اللبناني، أمنياً وسياسيّا على الأقل، مظهر المقلقل، وغير المتماسك، والمفتقر دوماً الى مَنْ يأخذ بيده ويساعده.
في هذا المجال واحتمالات تطوّره كلما دقَّ الكوز بالجرَّة، وكلما اختلف فلسطينيّان مسلَّحان، وكلما كانت هناك جلسة وزاريّة أو جلسة نيابيّة، وكلما حاول رئيسا الجمهورية والحكومة أن يصلحا ما أفسده الدهر والأيام، أو أن يعيّنا دفعة من الموظفين، يمكن المراقب المتابع ان يسوق الكثير الكثير من الأدلة والبراهين الدامغة.
والحكاية اللبنانية في طبعتها الجديدة غير المنقَّحة، لا تختلف كثيراً أو قليلاً عن حكاية العقود الاربعة السابقة.

مما يقتضينا العودة الى صفحات "ناطقة" لم تجد من يطويها بعد. أو لا يُراد لها أن تُطوى…
مع بدايات فوضى انتشار السلاح والمسلَّحين، وتوالد التنظيمات الفلسطينَّية، و"المنظمات" الرديفة، وتلك المتعددة الهويّة التي "استفرخوها" على أكعاب شجرة "الكفاح المسلَّح"، انبرى نفر من العقلاء الذين يمثّلون "المزيج اللبناني" لتوزيع النصائح التي ذهبت أدراج الرياح قبل ان تكمل الزيارات والخطابات دورتها على المرجعيَّات والقيادات وكبار القوم وكبار المسؤولين.

بالطبع، فَشَل العقلاء. وفشل سواهم بعدهم. مثلما فشلت مساعي لجان عربيَّة مشتركة، حاولت جاهدة أن تبعد كأس التجربة المرة عن لبنان، ولكن من دون جدوى.

واذا ما سأل أحدهم إلامَ يرجع هذا الفشل المريع لكل تلك الجهود والمساعي؟ يحضر الجواب الفوري الذي يجزم بان ما حصل كان مقرَّراً ومطلوباً، وكان من رابع المستحيلات التصدّي له.
فصار ما صار وحصل ما حصل.

صحيح ان تلك الحقبة قد انطوت صفحتها، إلا أنَّ جروحها ختمت على زغل. مما أبقى نزف السلاح الفلسطيني وفوضى توزَّعه وانتشاره واستعماله كدمل دائم الاقامة في جسم الوضع اللبناني الهش والتركيبة الهشَّة، وأبقى الصيغة والنظام والميثاق في موقع الواقف على شوار.

على هذا الأساس قيل لنا أمس، في معرض الاجابة عن استيضاحات روتينيَّة، إن المسألة لم تبدأ من جرود كفرزبد. ولا حتى من المخيمات المنتشرة على امتداد الجغرافيا اللبنانية. ولا حتى السلاح المتدفّق خارج المخيّمات.

بل هي مستمرة. ومتواصلة. ومنذ استفاق لبنان على الاجتياحات التي لا تُحصى. والمتعدٍّدة السبب والهدف.
وستبقى لاحقاً على أهبَّة الاستعداد لتأدية "الواجب"، كلما غفل اللبنانيون عن واقع معين، وظنوا ان قيامة الاستقرار والأمن قد تمّت، وعلى أكمل وجه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل