حين كانت «القوّات اللبنانيّة» ميليشيا مسلّحة، لم تكن أحسن من بقية الميليشيات ولا أسوأ. الارتكابات كانت هي نفسها، والدفاع عن الجماعة الطائفيّة وعن رؤيتها إلى العالم المحيط كان هو نفسه. وعندما انتهت الحرب، أودع قائد «القوّات»، سمير جعجع، السجن. جاء هذا بُعيد عرض قُدّم له بالانضمام الى الحكومة لم يقبله.
مسألة «القوّات»، إذاً، كانت، ولا تزال، من شقّين: شقّ فعليّ مؤدّاه التخيير بين المشاركة في الإجماع اللفظيّ وبين اللفظ والإدانة، وشقّ رمزيّ مفاده استسهال تحويلها كبشاً للمحرقة.
واستسهال التعاطي مع «القوّات» واضح جليّ: إنّ من يعترض على المقاومة وعلى وجود عشرات آلاف الصواريخ خارج يد الدولة لا مكان له. بل ان من يعترض يكون هو من يهدّد الأمن والسيادة ويعبث بالوطن من خلال… عيون أرغش!
من مزارع شبعا ننسج ملحمة، ومن عيون أرغش ننسج ملحمة مضادّة. إنّ أيّة حساسيّة حيال التوتاليتاريّة و «أحداثها» تنبّهنا إلى المعاني الخطيرة لهذه القرى الصغيرة.
وهذا الإجماع يتطلّب سحق «القوّات»، أو بحسب مطالبة البعض، إعادة قائدها إلى السجن. إنّنا، هنا، حيال روبرت ريدفورد في فيلم «المطاردة» الستينيّ الشهير لسام بكنباه. كلّ «السموات» يراد تغطيتها بـ «قبوات» القوّات.
ما من مكان لطرف يكون له رأي آخر في موضوع السلاح. ما من مكان لطرف يرفض العيش على إيقاع الاشتباكات بين فصيلين في «الجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة»، فصيل السيّد «أبو خضر» وفصيل السيّد «أبو حسن». ما من أحد يمكنه الردّ على قول القائل إنّ الأولويّة للمقاومة على الوحدة الوطنيّة، بالقول إنّ الأولويّة للحريّة على الوحدة الوطنيّة. ما من أحد يحقّ له امتلاك وجهة نظر أخرى في ما خصّ بلده وحياته وموته، وحياة أجيال قادمة وموتها. من يجرؤ على ذلك يكون إسرائيليّ الهوى والارتباط!
تمايزوا لكنْ في حدود التمايز بين رؤوس البطاطا، وسمّوا تلك ديموقراطيّة، وإلاّ…
أغلب الظنّ أنّ اختيار «القوّات» المسيحيّة لتكون العبرة لمن يعتبر، ليس مجرّد قرار سياسيّ، أو أنّه، بالأحرى، قرار سياسيّ ذو عمق ثقافيّ مؤكّد. ومفاد هذا العمق استسهال تهميش النظرة الأقليّة وإخضاعها، خصوصاً حين يتوافر وجه كميشال عون يوفّر الغطاء المطلوب بحيث تبدو الأمور على شيء من التمويه: هكذا يمكن تقديم المسألة كأنّها سياسيّة بحتة، بل سياسيّة بالمعنى التقنيّ، لا يخالطها أيّ عمق ثقافيّ. وقد سبق أن شاهدنا أواسط السبعينات فصلاً شهيراً من اشتغال هذه النظرة في ما عُرف بـ «عزل الكتائب».
إنّ في هذين الاستفراد والاخضاع وعياً ذمّيّاً واستبداديّاً لا تخطئه عين الناظر النزيه. وهذا الوعي الذي نراه في حالات السلم النسبيّ على شكل مواقف وإدانات، هو نفسه الذي نراه في حالات انفلات الأمن على شكل قتل وتهجير من صنف ما تلاقيه الأقليّات في العالم العربيّ. أوليس مصدر تجديد النزاعات مع تلك الأقليّات اختلافَ نظرتها عن الإجماعات اللفظيّة حول بناء الأوطان وعمل الدول؟
لهذا يبدو ساذجاً، في أحسن الأحوال، كاذباً، في أسوئها، من يدعو إلى تشديد الخناق على «القوّات»، فيما يستهجن ما ينزل بمسحيّي العراق ومصر وسواهما. فما يبدأ هكذا ينتهي هكذا.
وهذا إذا ما دلّ إلى صعوبات ضبط البلد، المتعدّد في تركيبه، بقالب المقاومة، أو بأيّ قالب آخر، علّمنا كذلك أنّ الديموقراطيّة مكلفة حقّاً لمن أرادها. فهي ليست قطعة قماش نلصقها بموقف جاهز تحمله جماعة من الجماعات ولا تقبل عنه بديلاً. لهذا فإنّ العمق الأخير والفعليّ لأيّة قضيّة إيديولوجيّة في بلد كلبنان، حيث تتلوّن وجهات النظر العامّة بألوان أهليّة، هو رفض الديموقراطيّة وجعل القوّة المحضة تُخضع الأضعف والأقلّ قوّة، وهو دائماً الأقليّ. من يقول، بصراحة، كلاماً كهذا يستحقّ الاحترام فعلاً.