#adsense

أنطوان شويري: الوجه الآخر

حجم الخط

عندما تجسد شخصية انسان كبير جدول القيم الروحية والخلقية يصبح من الصعب على عارفيه ومحبيه وقادريه اختيار الابرز منها، وتسيطر على الذهن العام واحدة من مزاياه الكبرى، وفي هذا ارتبط الكلام على المرحوم انطوان شويري بفكرة العطاء. وعندي، وانا بين عارفيه وقادريه ومحبيه الكثر، ان العطاء هو وجه مضيء لديه، ولكن، ليس الوجه الاكثر اضاءة وقدسية وسموا. انه، على روعته، يبقى وسيلة لقيم ابلغ منه، قيم ثلاث طبعت شخصية انطوان شويري وجسدت وجهه الآخر. وهذه القيم هي بامتياز: المحبة والتفوق والقضية.
• • •
المحبة بمفهومها البولسي العميق كتعبير عن عظمة المسيحية، بل عظمة الايمان المبني على حرية الانسان وكرامة الشخص البشري. فلقد عرفت، كوني واحدا من قدامى مدرسة الحكمة الحريصين على تراثها الثقافي والرياضي، انك انسان لم تعرف يوما معنى الحقد ولا البغض ولا الخصام، انسان همّه اسعاد اكبر عدد من الناس في اطول فسحة من الزمن، بالتحسس معهم او الهم والاهتمام بهم، وتعبيرها الفعلي، بالعطاء، العطاء في الالتزام والشراكة والمحبة.
العطاء الذي يأخذ معناه وبعده وقيمته من الروح التي تعطي، ومن ضمائر الاشخاص الكثر الذين اعطي لهم ان يعاينوا ويلمسوا ويشهدوا فعل المحبة الرسولية. وقد فعلوا… حتى وان كنت رفضت ذلك طوال حياتك.. لانك لم تعط من اجل العطاء/ المصلحة، بل من اجل المحبة/ الفائدة. فائدة الاشخاص وفائدة المجتمع، وفائدة الانسانية.
• • •
واما التفوق فهو العنوان الخلقي الابرز في قاموس حياتك، التفوق الشخصي في العمل، وقد حققته بذكائك واستقامتك ونشاطك، والتفوق في المؤسسات التي انشأتها او شاركت فيها. والتفوق في النوادي التي رعيتها وعلى رأسها نادي الحكمة، ولقد كان همك ايصاله الى الذروة… ونجحت. فانت ابن ذرى بشري وتعرف معنى الولادة على الذرى بلا كبرياء والبقاء على الذرى، والاحتفاظ بالمراتب العليا العالمية والمهم في ذلك انك كنت تريد لكل لاعب ان يكون عالميا، والاهم منه ان يصبح النادي عالميا، والاكثر اهمية ان ترى لبنانك الحبيب في القمة، وما هو ابعد واروع من كل ذلك انك كنت تعمل ما هو جلل وتتمنى ان تبقى في الظل وتلك نفسية الكبار الكبار.
• • •
واما القضية، فهي قضية لبنان الانسان الدولة والكيان، فأنت منذ ولادتك في ظلال الارز، مجبول بالوطنية، ومنذور على اسم لبنان، ولم تكن يوما لتساير او تقامر او تجامل على القضية، فهي عندك وعندنا قضية الحرية، حرية لبنان الشعب ولبنان والوطن، قضية لبنان الميثاق بكل عائلاته الروحية، لبنان المحصن بتضامن ابنائه وحصانة الارادة الدولية، في وجه الطامعين به والطامحين اليه. لقد شكلت وحدك مدرسة في الوطنية/ المواجهة، فواجهت بصدرك وامكاناتك جماعات البروبغندا في الداخل والمحيط والخارج، وعطلت مفاعيل سلاح اعلامهم المضلل واثبت انك ابن القضية الذي لا يتراجع ولا يتزحزح، فكانت لك يد كبرى في تحقيق الانتصار الديموقرطي لشعب لبنان.
• • •
هذه هي باختصار بعض ملامح وجهك الآخر الذي احببناه واكبرناه… ثم فقدناه، اجل انت رمز الانسان/ العطاء. ولكنه عطاء في خدمة ثلاثة: المحبة… والتفوق… والقضية … ويا اخي انطوان. كنا على موعد يوم الاثنين. ولم تتعود يوما ان تخلف في الميعاد. يومها، وقد هالني نبأ اصابتك المفجع، تبادر الى ذهني فورا عنوان كتاب صدر في الخمسينات من القرن الماضي، وكنت طالبا جامعيا، عنوان الكتاب "الله والسرطان" وفيه يتساءل الكاتب: كيف يسمح الله ان يجد الانسان نفسه موضوعا في قدرية الموت؟! وزاد تساؤلي: امام انسان من طينة انطوان شويري، رجل الايمان والمحبة والتفوق والتضحية … ثق انك الآن في قلبي وقلب الكثيرين، سؤال لاهوتي مطروح وسيبقى مطروحا على كل الضمائر: هو الابرز في لاهوتنا المعاصر ولا يجد له جوابا شافيا الا في القلب، ويدور حول العلاقة بين الايمان والعقل…. ايها الاخ المؤمن المحب العاقل وصاحب القلب الكبير! لك السماء
ولأهلك ولنا العزاء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل