كان لا بد من إجراء الانتخابات البلدية في موعدها، فهذا الاستحقاق جزء لا يتجزأ من النظام الديمقراطي وعملية تداول السلطة التي يجب ان تجري على كل المستويات، والاطاحة بهذا الاستحقاق تحت اي ذريعة، اصلاحية أم سياسية، كانت ستعني تجاوزاً للدستور والقانون وضرباً بعرض الحائط لكل مفاهيم وقيم الديمقراطية والحرية والارادة الشعبية.
ولم يكن هناك من سبب يدعو إلى عدم اجراء الانتخابات، فالأسباب والظروف القاهرة غير متوافرة، والاوضاع مستتبة والبلاد لم تكن في وضع افضل مما هي عليه اليوم، ولم يسبق ان نعمت بهذا الاستقرار الأمني والسياسي في ظل حكومة "وحدة وطنية". ولذلك فإن أصرار الرئيس ميشال سليمان على اجراء الانتخابات في موعدها ومهلها الدستورية كان اصراراً في محله وكان له الفضل ايضاً في قطع الطريق أمام المناورات والمساومات والمزايدات على انواعها. فهناك من أراد التأجيل وأبدى استعداداً للمقايضة بين الانتخابات والتعيينات، وهناك من طرح التأجيل بحجة الاصلاحات مزايداً في هذا الموضوع.
كلنا نريد تعديلات على القانون، او بتعبير آخر كما المصطلح المعمم اليوم "الاصلاحات" ونحبذ اجراء الانتخابات على اساس قانون جديد للبلديات يأخذ في الاعتبار طموحات اللبنانيين إلى قانون عصري حديث وعادل يعكس التمثيل الشعبي الصحيح ويعطي كل الفرص للكفاءات والطاقات في المجتمع، ويفتح الطريق واسعاً أمام اللامركزية الادارية الموسعة التي نص عليها الطائف ولم تطبق بعد. وهنا لا بد من الاشارة و التنويه بالجهود الكبيرة التي بذلها وزير الداخلية والبلديات زياد بارود هذا الشاب الواعد والناجح والذي كان السبّاق والمبادر إلى اطلاق مشروع الاصلاحات وبلورتها، وكانت الحسابات السياسية والطائفية كل مرة بالمرصاد لمشاريعه وافكاره الاصلاحية، من قانون الانتخابات النيابية الذي وضعته الهيئة الوطنية برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس، وكان بارود عضواً ناشطاً ومميزاً فيها قبل ان يصبح وزيراً، إلى قانون البلديات الذي حاول جاهداً ادخال اصلاحات حديثة وعصرية اليه مما يساهم في تمثيل حقيقي في كافة المناطق اللبنانية قبل ان تتعثر المحاولة على ابواب المجلس النيابي بعدما اجتازت عتبة الحكومة.
وبين خيارين: اجراء الانتخابات في موعدها القانوني المحدد وتأجيل الانتخابات إلى حين الاتفاق على اصلاحات وتعديلات مفتوحة على النقاش والاختلاف وغير مضمونة النتائج، فرض الخيار الاول نفسه. ولكن من حق الناس ان ينزعجوا ويتبرموا من الطريقة التي شقت فيها الانتخابات طريقها وباغتتهم، فلم تتح لهم فرصة التحضير والاستعداد الجيد لهذا الاستحقاق، وهم ما زالوا حتى الآن غير مصدقين ان الانتخابات ستحصل، وغير مبالين ومندهشون من تسارع الخطى نحو انتخابات حوصرت على امتداد اسابيع بالشكوك والغموض.
لافتة هي الطريقة التي تمرر بها الانتخابات البلدية، وما يلفت أكثر هو التفاوت بين الساحتين الاسلامية والمسيحية في التعاطي والتفاعل مع هذا الاستحقاق. فلا مشكلة وحتى لا انتخابات في المناطق الاسلامية. وها هو اتفاق الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله يضع حداً للانتخابات في المناطق الشيعية ويعلن نتائجها مسبقاً. وها هو الاتفاق المعلن بين النائبين وليد جنبلاط وطلال ارسلان يعفي الطائفة والمناطق الدرزية من عبء الانتخابات وثقلها. وأما الساحة السنية، فإن الرئيس سعد الحريري يمسك فيها زمام المبادرة بشكل كبير وهذا أمر ليس خافياً على أحد ويمتلك قدرة اتخاذ القرار خصوصاً في بلديات المدن الكبرى ومع ذلك فان مصادره تؤكد ان يده ممدودة لكل توافق وتعاون مع باقي القوى السنية.
وحدها المناطق المسيحية، خالية من أي تحرك من هذا القبيل يهدف إلى رأب الصدع والتقريب بين الاطراف المتنافسة والعبور إلى مرحلة المصالحات من بوابة البلديات. فلماذا لا تضع القيادات المسيحية كل خلافاتها السياسية جانباً وتشرع في عملية تقارب وتعاون وتفاهم حول البلديات الكبرى؟! ولماذا تكون البلديات عامل تقريب وتوافق بين القيادات الاسلامية وتكون عامل تباعد وتنافر بين القيادات المسيحية؟! لماذا لا يتعاطى المسيحيون مع الاستحقاق الانتخابي البلدي على انه شأن انمائي داخلي؟! ولماذا لا يبعدوه عن سياسة المماحكات والانقسامات ويفسدون بالسياسة اجواء القرى والبلدات؟! فإذا لم يجد القادة المسيحيون إلى التفاهم والتوافق سبيلاً، عليهم ان ينأوا بأنفسهم عن الانتخابات وان يتركوا للناس والناخبين حرية اختيار من يمثلهم ويدير اوضاعهم الحياتية والخدماتية والانمائية، ويكون على تواصل وتفاعل معهم في كل حين.
لقد اثبت المسيحيون في كل المحطات والاستحقاقات انهم واعون ومسؤولون في خياراتهم، وانهم يحسنون تدبير امورهم فيما لو تحرروا من عبء بعض السياسيين وتدخلاتهم… فيا أيها المسيحيون انخرطوا في العملية الانتخابية بحماسة وقوة ومارسوا حقكم في الاختيار وواجبكم في ادارة شؤونكم واوضاعكم… ويا أيها الزعماء المسيحيون اتفقوا من اجل الشعب. واذا بقيتم في خلافكم اختلفوا فيما بينكم وابقوا الناس في منأى ومأمن منها، حتى لا تكون على حسابهم…