جمع رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر عائلة الابرشية و الحكمة الروحية والاكاديمية والتربوية والرياضية للصلاة لراحة نفس من عرفته الحكمة طالبًا في صرحها ورئيسًا لناديها المرحوم أنطوان شويري.
وللمناسبة ترأس المطران مطر يعاونه النائب العام لابرشية بيروت رئيس جامعة الحكمة المونسنيور جوزف مرهج والخوري شربل مسعد الذبيحة الالهية في كاتدرائية مارجرجس في وسط بيروت بمشاركة لفيف من الكهنة تقدمهم الآباء رؤساء مدارس الحكمة بالاضافة الى ممثلي الهيئات الادارية والتعليمية في الحكمة وممثلي الاتحادات والاندية الرياضية ورئيس نادي الحكمة طلال مقدسي والاعضاء واللاعبين الحاليين والقدامى.
وبعد النجيل المقدس القى المطران مطر عظة جاء فيها :
أيُّها الأحبَّاء،
نجتمع اليوم في هذه الكنيسة «الكاتدرائيَّة» لنرفع الصَّلاة معكم لراحة نفسِ عزيزٍ وكبيرٍ من أهلنا وبلادنا هو المغفور له الأستاذ أنطون شويري. إنَّه دافع المحبَّة والوفاء يحملنا إلى اللِّقاء حول مذبح الرَّبِّ لإقامة هذه الذِّكرى الغالية، ونحن ما تعوَّدنا سابقًا أن نذكر أنطوان شويري إلاَّ وهو حاضر في الصُّفوف الأماميَّة وقلبه مستعدٌّ لكلِّ عملٍ مضيءٍ ولكلِّ خدمةٍ يؤدِّيها لوجه الله الكريم.
نذكره في هذه المناسبة وفي قلبنا في مطرانيَّة بيروت عاطفةُ مودَّةٍ وافتخار، كون هذا الرَّجل قد مرَّ في الحكمة فتًى يافعًا وقد أتاها من بشرِّي العزيزة، ما يحملنا على ذكر فتى آخر دخل الحكمة قبله بسبعين عامًا وقد أتاها أيضًا من بشرِّي وهو نسر لبنان المحلِّق في دنيا الفكر والأدب والشِّعر الكاتب جبران خليل جبران.
لم يتعاطَ أنطوان شويري ما تعاطاه جبران ولا هو يريد أن نقيم بينه وبين ابن بلدته المذكور أوجهَ شبهٍ. لكنَّنا نرى وأنتم ترون معنا في حياة أنطوان شويري وفي قلبه الواسع وعقله النيِّر نجاحات ما كانت لتبرز فيه لولا سموِّ نفسه وشموخ محبَّته وقدرته على صنع ما يشبه المعجزات في حقول العمل الَّتي اتَّخذها مجال خدمةٍ وتحقيق. كلُّنا عرفنا هذا الإنسان من زمنٍ بعيد أو قريب، إبَّان حياته. لكنَّنا صرنا نعرفه أكثر واكتشفنا فيه ما لم نكن اكتشفناه بعد من قِيَم عليا ومن رقَّةِ شعور إبَّان استذكاره في مماته. إذْ أجمعت البلاد على الإعراب عن محبَّتها له كما لا تجمع إلاَّ على الرِّجال العظام، وتقاطر العباد من كلِّ حدبٍ وصوب، مستقلِّين أساطيل الطائرات ليلقوا على جثمانه نظرة الوداع الأخير كمَن يتحيَّن لذاته فرصةً لن تعود.
لقد أكبر النَّاس أوَّلاً في أنطوان شويري قدرته على العمل ومسلكه في خطٍّ صاعدٍ قويم إلى قمَّة النَّجاح. وعندما ضاقت به الأرض في لبنان وفقد النَّاس فيه عقولهم زمن الحرب والانقسام، يمَّم شطرَ باريس الَّتي مكث فيها أكثر من عشرين سنة ومنها كان ينطلق إلى الخليج العربيِّ برحلاتٍ مكُّوكيَّة عبر لبنان أحيانًا كثيرة ليدير له أمبراطوريَّة راحت تتَّسع بوسع طموحاته وأحلامه العملاقة. لكنَّ أحدًا من أهله ولا من مُحبِّيه كان يدرك أنَّ أنطوان قرَّر في سرِّه أن يسرِّع الخطى وأن يعمل ليلاً ونهارًا لأنَّ رحيله عن هذه الدُّنيا كان سيأتي على عجلٍ ومن غير توقُّعٍ. فلم يترك دقيقةً تمرُّ إلاَّ وتحيَّنها فرصةً ليحقِّق ما يريد وينجز ما لم يكن لغيره أن ينجزه بهذه الدقَّة وهذه السُّهولة.
لكنَّ ما تركه أنطوان شويري من جني أعماله وأتعابه لا يقاس بالنَّجاح المادِّيِّ وحسب بل بمقياسِ الرُّوح الَّذي حوَّل نشاطه إلى فرصٍ لكسب الأصدقاء ولمساعدة كلِّ مَن يلتقيهم ليكونوا هم أيضًا وبدورهم من النَّاجحين. لقد عوَّد رفاقه أينما كان على القول الفصل في تعامله معهم وعلى كلمة الشَّرف الَّتي لا تعرف تبديلاً، فهو مباشر في تعاطيه وصادقٌ صدوقٌ مهما كلَّف الأمر ومهما كانت الظُّروف. أمَّا شركاؤه في العمل وفي الحلم فلقد دفع بهم إلى أن يعطوا أكثر ممَّا عندهم ليكونوا رفاقه في كلِّ شيء. هكذا كان في دنيا الأعمال وهكذا أيضًا في عالم الرِّياضة الَّذي دوَّن فيه أنطوان شويري أسطرًا من نور لمجد لبنان ورفعته.
لقد عاد إلى الحكمة في زمنٍ كان الشَّباب فيه يتركون البلاد ويرحلون، فرئس النَّادي الرِّياضيَّ المنبثق عنها وقاده على دروب النَّجاحات الباهرة، لا لشيءٍ إلاَّ ليجعل من الرِّياضة حقلاً وطنيًّا خصبًا ينقل المجتمع من مآسي الحقد والانقسام إلى مراتع الحضارة وتخطِّي الذَّات. وإنَّ ما لفت في تصرُّفِ أنطوان شويري طوال هذه المدَّة الَّتي أمضاها في خدمة هذا الحقل أنَّه كان رسولاً لبَني وطنه جميعًا وليس لفئةٍ منهم، كما كان يبغي رفعَ اسم كلِّ لبنان وليس اسم فريقٍ من اللُّبنانيِّين دون سواهم، وإنَّ هذا الرَّجل كان يحيا مع كلِّ فردٍ من أعضاء فريقه كما يحيا والدٌ مع أولاده يمدُّهم بالمعنويَّات ويسهر على نفوسهم قبل أن يعمل على تطوير أدائهم، وعلى قيادتهم نحو البطولات المجلِّيَّة. ولقد أظهر الكثير من هؤلاء عاطفة العرفان بالجميل بما لا يتصوَّره أحدٌ نحو هذا الإنسان الَّذي جمع في شخصه صفات القيادة والرِّيادة والأبوَّة مجتمعةً ومنسجمة. فصار وداعه مهرجانًا للحبِّ والوفاء كما كانت أيَّام انتصاراته من أجمل أيَّام لبنان.
أمَّا سنواته الأخيرة فقد خصَّص فيها جهدًا مضاعفًا للاهتمام بالفقراء والمعوزين والَّذين ما كانوا يومًا من قبل غائبين عن قلبه وعينيه. فقصدَ كاريتاس لبنان يسأل القيِّمين عليها عن الحاجات الَّتي تفرض نفسها على أعمالهم، ليلبِّي أيَّ نداءٍ من أجل دعمها في أعمالها الخيِّرة. لم يكونوا هم المبادرين للذهاب إلى أنطوان شويري بل كان هو المبادر على الدَّوام وذلك بإلهامٍ من ربِّه الَّذي قال لنا جميعًا أنَّنا سنُسأل يوم الحساب عن الحبِّ الَّذي أحببنا به قريبنا قبل السُّؤال عن أيِّ أمرٍ آخر. وما قدَّمه أنطوان من دعمٍ لكاريتاس لبنان لم يبخل بمثله يومًا على أيَّة مؤسَّسة أو أيَّة جهة طلبت منه العون، ولم يردّ أحدًا من قاصديه خائبًا في يوم من الأيَّام.
وفي آخر لقاءٍ كان لي معه شخصيًّا سألني أنطوان شويري عن إتمام المشاريع المتعلِّقة بالكنيسة الَّتي نصلِّي اليوم من أجله في حناياها. وهو الَّذي كان من أوَّل المساهمين في ترميمها بعد الحرب الَّتي نالت منها حتَّى الاستشهاد. فأعلمته عن مشروعِ إنهاء القبَّة العالية في جوارها وهي آخر محطَّةٍ في إعادة بناء الكنيسة وتجهيزها لترجع وتبقى كنيسةَ كلِّ بيروت وإحدى بيوت العبادة الأساسيَّة في لبنان. فما كان منه إلاَّ أن جدَّد العون سخيًّا لهذا الأمر ولسان حاله يقول «أنَّ مَن يبني بيتًا لله ويُعلي مقامًا لسُكناه بين البشر، يجعل الله سكناه في بيته الأبديِّ الَّتي لم تصنعه أيدي بشر، حيث لا وجع ولا تنهُّد بل المكافأة الكبرى عن صالح الأعمال وصدق النَّوايا وروعة الإنسانيَّة».
وعندما زرته بضع ساعات قبل رحيله، أيقنت لدى مشاهدتي إيَّاه أنَّه صار على أبواب دنيا الحقِّ وهو يعرف الطَّريق إليها لأنَّ المسيح كان طوال حياته هو طريقه ورفيقه ومُلهمه وسيِّد عائلته، هذه العائلة الَّتي أعطاها حبَّه الأكبر والَّتي بادلته على الدَّوام حبًّا بحبٍّ. فله اليوم صلاتنا وعرفاننا وأدعيتنا بالمكافأة من ربِّ المكافآت، ولشريكة حياته الَّتي تضاهيه وتماثله في سخاء القلب واليدين، والَّتي كانت له نِعم الرَّفيقة والمساعِدة، ولولديه العزيزين وأحفاده الَّذين كانوا ينزلون في قلبه منزلةً خاصَّة أحرّ تعزياتنا وأصدق عواطفنا. وإنْ كان لنا أن نقول لهم كلمةً خاصَّة في هذه الذِّكرى، فهي أنَّ أنطوان العزيز يحيا القيامة السَّعيدة مع المسيح، وأنَّه سيبقى مرفرفًا عليكم بروحه وظلِّه الجميل، وعلى جميع الأهل والأصدقاء، من حيث هو قائمٌ ينعم بسلام الله، له المجد ومنه الرَّحمة لفقيدنا الغالي، المستقرِّ في راحته إلى الأبد.