#adsense

الحملة على “القوات اللبنانية” استهداف لطائفتين لا واحدة

حجم الخط

بين من يريدها لإعادة بناء "نظام أمني" وبين من يريدها لـ "توسيع دائرة 7 أيار"
الحملة على "القوات اللبنانية" استهداف لطائفتين لا واحدة

يلجأ "المشروع الفئويّ الشموليّ" المهيمن على "قوى 8 آذار" إلى فزاعة "تكرار التاريخ". يحرّك هذه الفزّاعة بوجه حركة التحرّر الوطنيّ والتطوّر الديموقراطيّ للشعب اللبنانيّ التي اسمها "14 آذار". وتطلّ الفزاعة بوجهين اثنين: أحدهما يهدّد بـ"تكرار فعلة 7 أيّار"، وثانيهما يهدّد بـ"تكرار عزل القوّات اللبنانيّة".

في البداية، توجّه التهديد بـ"تكرار فعلة 7 أيّار" ضد طائفة بأكملها، فيما استهدف التهديد بـ"عزل القوّات اللبنانيّة" جزءاً من طائفة أخرى. راهن المشروع الشموليّ بذلك على تنمية "الخوف الخاص" بكل طائفة، وعلى الدفع باتجاه تفكيك المشروع الاستقلاليّ الديموقراطيّ تحت وطأة "خوفين" مختلفين من حيث الطبيعة، بالشكل الذي يؤمّن تلاشياً للرابطة التضامنية بين الطائفتين.

إلاّ أنّ الأمر تبدّل لاحقاً، وبشكل فائق السرعة. فالتهديد بـ"تكرار 7 أيّار" فقدَ سحره الأسود إلى حدّ كبير في أوساط البيئة الأهليّة التي وجّه هذا الشعار ضدّها. وبدلاً من أن يكون شعاراً لـ"ترهيب الآخرين"، تحوّل هذا الشعار إلى "الاستهلاك الداخليّ" ضمن بيئة "8 آذار" نفسها، بمعنى أنّه أمسى شعاراً لإبقاء "الشعلة الانقلابيّة" متقدة ضمن هذه البيئة، بحيث تبقى "جماهير الممانعة" على الوعد، بأنّ يوم 7 أيّار لن يلبث أن يكتمل صنيعه ولو بعدَ حين.

وهكذا درجت في "الأدبيات الممانعاتية" أشكال مناجاة "وثنية" لهذا الحدث "الموضعيّ" كما لو كان حدثاً يقارن بالـ1789 الفرنسية أو الـ1917 الروسية أو الـ1933 الألمانية أو الـ1979 الإيرانية. وتأتي هذه المناجاة غير المتزنة لتكشف ما يعيشه هذا الفريق من تناقض بين إصراره على "التعبئة التامّة والدائمة" القائمة على مركب الانتصاريّة والتحريض، وبين واقع أهليّ لا ينخر الوهم الصادح حول "المجتمع المقاوم" يوماً بيوم ومن الداخل. لقد وصلت "العصبية الصاعدة" أمام أزمة تجديد شروط تفوّقها، هذه الشروط التي كانت مستندة إلى "ذاكرة جماعيّة" غاضبة بعد "صموديّات تموز 2006"، والتي بلغت نقطة الذروة يوم 7 أيّار 2008. لم تستطع "العصبية الصاعدة" تجاوز ما بلغته من ذروة يومها، وما حملته هذه الذروة نفسها من بداية إحباط (نصف انقلاب هو مدعاة لإحباط، كما كل نصف عمل بيولوجي نقوم به). من هنا معالم هذه الأزمة، أزمة التشابه مع تاريخ كل العصبيات في تاريخ هذا البلد، التي سعت في وقت سابق وراء الهيمنة الشاملة على الآخرين، وأوهمت نفسها بأبدية لحظة تفوّقها.

مع تعطّل القدرة على استخدام "7 أيّار" كشعار لتهديد البيئة الأهليّة التي قاست المحنة يومها، في مقابل استمراره كشعار للتحريك الداخليّ ضمن البيئة الأهليّة الرئيسيّة في "8 آذار"، صار لزاماً على فزّاعة "تكرار التاريخ" أن تعتمد ذاكرة حلّ "حزب القوّات اللبنانية" عام 1994، الأمر الذي يشكّل من كل النواحي إمعاناً في "الهروب إلى الأمام".

فبخلاف "7 أيّار" برأت البيئة المسيحيّة تماماً من كل المترتبات السياسية والثقافية والأمنية لحظر "القوات" واعتقال قائدها عام 1994، في حين ما زالت تداعيات 7 أيّار السياسيّة والثقافيّة والأمنيّة تعتمل في صدور الناس. ولم تستمدّ "القوّات اللبنانيّة" من تلك التجربة المريرة مظلوميّة أخلاقية فحسب، وإنّما اكتسبت المشروعيّة السياسيّة بشكل أساسيّ، سواء مشروعية الدور المركزية في التعبير السياسيّ والاجتماعيّ عن مسيحيي لبنان أو دورها المركزيّ في نسج وتوطيد الشراكة الإسلامية المسيحية.

يمكن القول إنّ الذين وقفوا وراء اضطهاد "القوّات" عام 1994، استوحوا بشكل أو بآخر المؤامرة النازية التي قضت بحرق مبنى البرلمان، "الرايخستاغ"، بعد أقلّ من شهرين على وصول أدولف هتلر إلى سدّة المستشارية، وذلك لحظر واضطهاد "الحزب الشيوعيّ الألمانيّ" ثمّ الإجهاز على كافة الأحزاب الألمانيّة تباعاً. استفاد النازيّون يومها من عزلة "الحزب الشيوعيّ" عن الأحزاب الأخرى. واستفادوا تحديداً من "العداوة المستحكمة" وقتذاك بين حزبي الطبقة العاملة، الحزب الشيوعيّ والحزب الاشتراكيّ الديموقراطيّ. على غرارهم، استفاد من فجّر كنيسة سيدة النجاة عام 1994، من عزلة التيارات المسيحية عن بعضها البعض وقتها، هذه التيارات التي لم تجتمع منذ انتهاء الحرب وحتى يوم حلّ "القوّات اللبنانيّة" إلا على مقاطعة الانتخابات النيابية. وكانت هذه المقاطعة ستكون ذات فائدة لو أنّها أنتجت "تلاقياً" بين الأطراف المسيحية التي أجمعت عليها، لكنّ ما حدث جاء معاكساً تماماً، وأفضت "العزلة الذاتية" لكل تيّار مسيحيّ عن سواه إلى ضرب جميع التيارات المسيحيّة تباعاً.

الظرف مختلف تماماً اليوم. ليس فقط لأنّ "القوّات اللبنانيّة" جزء متقدّم من مشروع استقلاليّ قائم على المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة، بل لأنّ "هويّة" الحملة الموجّهة ضدّ "القوّات اللبنانيّة" لم تثبت إلى الآن. هناك فارق كبير بين أن تكون هذه الحملة جزء من محاولة "إعادة بناء النظام الأمنيّ" ليكون إلى جانب "قوى 8 آذار" وفوق هذه القوى في الوقت نفسه، وبين أن تكون هذه الحملة جزءاً من "محاولة توسيع دائرة 7 أيّار" لتطال العمق المسيحيّ هذه المرّة.

إلى الساعة، ما زالت هذه الحملة تحاول الجمع بين هاتين السمتين. وهذا الجمع لا يخدم هدف "عزل القوّات" وإنّما يخدم توسيع دوائر الالتفاف حولها، سواء على الصعيد المسيحيّ أم على الصعيد الوطني. فكلّما تصاعدت شراسة هذه الحملة يصير واضحاً أنّها تتجاوز "القوات" إلى المسيحيين لتطالهم بمجموعهم، وليس ذلك الأهمّ. فالحملة ضدّ "القوّات" تستشعر اليوم كحملة ضد طائفتين، لا ضدّ طائفة واحدة. من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، هناك طائفتان يعلم أبناؤهما علم اليقين أنّهم مستهدفون بهذه الحملة. والتحدي يبقى القدرة على رفع درجة التضامن السياسي إلى تضامن وجوديّ شامل ومريح في الوقت نفسه للقدرة على الحركة داخل المجموع الاستقلاليّ.

قد يوحي التاريخ أحياناً بأنّه قابل للتكرار. وثمّة بحق أحداث تتكرّر فيه، شكلياً على أقلّ تقدير. لكنّ ذلك شيء، وفزّاعة "تكرار التاريخ" كما تحرّكها "قوى 8 آذار" شيء آخر، خصوصاً إذا كانت هذه الفزّاعة تحرّك عند البعض بقصد "توسيع 7 أيّار المستمرّ بظلاله" فيما تحرّك عند البعض الآخر بقصد "انبعاث النظام الأمنيّ البائد". في الحالتين، هناك من يفهم أنّ الأحداث تتكرّر، لكن ليس بالفزّاعات تتكرّر. في الحالتين، هناك من يظنّ بأنّ "حظر القوات" يتكرّر و"7 أيار" يتكرّر، في حين أنّ "14 آذار 2005" لا يتكرّر. لأجل ذلك، فإنّ لبنان اليوم يقف بين اعتماد إحدى فلسفتين للتاريخ. واحدة وضعها الفيلسوف الأكبر جورج فيلهلم فريدريش هيغل وتقول بأن التاريخ يسير دائماً باتجاه تحقّق مفهوم الحريّة، وتقول بالتواصل والتتبع الداخليّ الجوفيّ، في الزمان والمكان، بين جميع لحظات الانتصار للحريّة بوجه العبودية والطغيان عبر التاريخ. وأخرى يضعها "فلاسفة الممانعة" وتقول بأنّ فزاعات عنفهم سوف تبقى تتقدّم وتتقدّم حتى ترفع راياتها فوق واشنطن وباريس ولندن.. ولاهاي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل