تتردد في الوسط السياسي، وبين اهل الصحافة والاعلام، وفي اهتمامات الاغلبية الساحقة من اللبنانيين، وحتى في غرف السفارات الغربية والعربية، اسئلة عدة مهمّة واساسية، تتمحور جميعها حول سؤال مركزي واحد هو: لبنان الى اين، خصوصاً ان هناك اشارات جد واضحة، يمكن تفسيرها او تحليلها وقراءتها، بان ما يجري على الساحة اللبنانية من تحوّلات وتحركات وخطاب معيّن، انما هي للعودة بلبنان الى فترة بداية التسعينات، حيث كان من غير المسموح ان يعلو صوت على صوت النظام الامني السوري – اللبناني المشترك، مع تعديل وحيد، ان التيار الوطني الحر اصبح خارج المساءلة، لانه انخرط تحالفياً مع رموز هذا النظام، وان تيار المستقبل ما زال حتى تاريخه، ملتزماً بشعار «لبنان اولاً» ، وليس بشعارات النظام الامني السابق وسلوكيته القمعية ضد كل من لا «يمشي بالصف»، وحتى يتظهّر نهائياً موقف تيار المستقبل، المرتبط حكماً بموقف رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي على ما يبدو يتعرّض الى ضغوط كبيرة لنقل تياره من مكان الى مكان، يبقى حزبا القوات اللبنانية والكتائب، والاحزاب والشخصيات المسيحية الاخرى، هدفاً للملاحقة والاتهام، والتخويف، والتخوين، وفبركة الملفات، وتفخيخ الكمائن، والسعي بجميع الوسائل، مهما كانت قذرة، الى سلخ هذا الفريق المسيحي السيادي عن تيار المستقبل، وما يمثل تحالفهما من وحدة وطنية حقيقية، ودعم كبير لقيام الدولة القوية ذات السيادة المطلقة على الارض والمؤسسات، كما ينص على ذلك اتفاق الطائف.
ومن هذه الاسئلة، اذا كان تكتل 14 آذار، والاحزاب والشخصيات المنضوية تحت لوائه، تعلن مواقفها السياسية بوضوح وجرأة وشفافية، فلماذا تواجه بالاساليب الملتوية والشتائم، وفتح الملفات الوهمية، والتشهير، واذا اقتضى الامر باستعمال السلاح، بدلاً من المواجهة الحضارية القائمة على العقل والمنطق والاعتراف بالاخر، والتفتيش الدائم عما هو في مصلحة الناس والدولة، وفي هذا المجال لا بد من الاشارة الى ان بعض المواقف الاخيرة الصادرة عن العماد ميشال عون، والنائب وليد جنبلاط، بعدما تم استيعابهما وتطويعهما، حول دعوتهما الى وقف الكلام والحوار بسلاح المقاومة، من شأنها اذا تحققت ان تطيح بطاولة الحوار نهائياً، وبنقل الخلاف حول مسؤولية من يحرّك هذا السلاح، هل هو حزب الله ام الدولة، الى الشارع ليزداد الخلاف عمقاً واتساعاً.
السؤال الثاني الذي يفرض نفسه بعد السؤال الاول، هو لماذا يبدو حلفاء سوريا وايران في لبنان مستعجلين لتفكيك تكتل 14 آذار و«اجتثاث» كل ما له علاقة بانتفاضة الاستقلال، اذا كانوا حريصين حقيقة على السلم الاهلي والوحدة الوطنية والعيش الواحد بين اللبنانيين، وهم يعرفون تماماً ان هذه السياسة سوف تحوّل لبنان الى عراق آخر، يغرق كما العراق في بحر من الفوضى والدم والدمار واجتثاث الخصوم.
السؤال الثالث الذي يتردد مع كل موقف تراجعي جديد للعماد عون وللنائب جنبلاط، هل ان الرجلين يملكان من المعلومات ما يجعلهما يتوقعان احداثاً مفصلية في لبنان، كتلك التي حدّثت في نهاية الثمانينات من القرن الماضي وفي معظم السنوات التي تلت، وكان الامن في خلالها والقضاء خاضعين لخدمة اهداف لا علاقة لها بمصالح لبنان وشعبه، ولذلك سارعا الى حفظ رأسيهما تحسباً للاسوأ الذي يمكن ان يحدث.
السؤال الرابع، وهو الاخطر من بين مجموعة الاسئلة التي يتم تناقلها وتداولها في الاوساط السياسية والاعلامية والديبلوماسية، ما يحكى عن وجود خطة لافتعال حادث كبير، يجر قواتيين الى التورط فيه، ما يستدعي تدخل الجيش او قوى الامن لمعالجته، وما تؤدي هذه المعالجة الى اعتقالات ومداهمات قد تتجاوز العناصر الى قياديين من صفوف مختلفة، وقد تصل الى رأس الهرم الدكتور سمير جعجع.
وتؤكد المعلومات المتداولة ان البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير، وبعض السفارات الغربية والعربية المعنية بالوضع في لبنان، قد وضعت في اجواء هذا السيناريو الخطر الذي قد يكون موضوعاً للتنفيذ في الوقت والظرف المناسبين، او قد يكون رسالة غير مشفرة، للدكتور جعجع او للرئيس امين الجميل، او حتى لرئيس الحكومة سعد الحريري، ان نتائج ومفاعيل انتفاضة 14 اذار قد انتهت، وان لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
* * *
هذه الاسئلة وغيرها، والتي تدور جميعها حول قلق اللبنانيين من المستقبل الذي لا يبدو مطمئنا، على الرغم من الخطوات الكبيرة التي قام بها ويقوم الرئيس العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري، لتوفير السلام والاستقرار في البلاد، تخلق جواً من الشعور باستحالة استمرار التعايش بين مكونات الشعب اللبناني في ظل النظام القائم بسبب تصميم فريق لبناني مدعوم من الخارج على فرض هيمنته على كل لبنان، ويرفض الاعتراف بالآخر، الا اذا كان هذا الاخر يشبهه سياسياً وفكرياً وعقائدياً، ويلتزم معه بأحلافه وطموحاته واهدافه البعيدة.
عبثا يبحث المسؤولون واللبنانيون عن اصلاح وتغيير وقانون، وقضاء وادارة، وانتخابات، وحريات، ودولة، طالما ان اللبنانيين لم يتفقوا بعد على السؤال الكبير الذي أطلقه يوماً الرجل الكبير الشيخ بيار الجميل : «أي لبنان نريد».