هناك أصول وأعراف لتعاطي الدول المستقلة الاعضاء في الامم المتحدة في ما بينها، وهذه الاصول والاعراف تحتم ان يتم هذا التعاطي من دولة الى دولة عبر القنوات الدبلوماسية، او من خلال الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في هذه الدول، وأي تجاوز لهذه القواعد كأن تتعاطى دولة بصورة مباشرة مع اطراف سياسية او حزبية في دولة ثانية، يعتبر تدخلاً من تلك الدولة في الشؤون الداخلية للدولة الاخرى، ويشكل هذا التدخل انتقاصاً من السيادة الوطنية للدولة المعنية.
وقد عانى لبنان مع جيرانه من هذه الحالة منذ استقلاله وانضمامه الى الامم المتحدة وارتفعت وتيرة هذه المعاناة في اواخر الستينات وحتى خروج القوات السورية من لبنان بعد اشهر قليلة من اغتيال رئيس حكومته الشهيد رفيق الحريري حتى انه اطلق على الوجود السوري في تلك المرحلة بعهد الوصاية•
ومعنى الوصاية، كما فسره معظم اللبنانيون ومعه دول العالم الاعضاء في الامم المتحدة، هو ان هناك دولة فرضت وصايتها على دولة اخرى ما شكل انتقاصاً في سيادتها على ارضها، وعلى شعبها.
وعندما خرجت القوات السورية في اوائل العام 2005اعلن الرئيس السوري يومذاك انه هو من اتخذ هذا القرار اعترافاً منه باستقلال لبنان وسيادته وتحدث في اكثر من مناسبة عن اخطاء ارتكبتها سوريا في لبنان ومنها انها كانت تتدخل في شؤونه الداخلية، وتقيم علاقات مباشرة مع طوائفه واحزابه وقواه السياسية بمعزل عن الدولة، وأكد على عدم تكرار الوقوع في مثل هذه الاخطاء وان تعاطي سوريا مع لبنان سيكون عبر المؤسسات الدستورية للبلدين ومن دولة الى دولة.
والتزاماً منه بهذا الوعد سارعت سوريا الى الموافقة على اقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء بين البلدين ليكون هذا التبادل منطلقاً للتعاطي بين الدولتين، ولا يكون هناك التفاف عليه والعودة الى ما كان سائداً خلال الوجود السوري أي ان يتم التعاطي مع الطوائف والاحزاب والقوى السياسية، بديلاً عن التعاطي مع الدولة.
ويبدو ان هذا التعهد من قبل الرئيس الاسد والذي كرره عند زيارة رئيس حكومة لبنان الشيخ سعد الحريري الى العاصمة السورية، وقبله زيارة الرئيس ميشال سليمان بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيساً توافقياً للجمهورية، لم يحترم بل استعادت سوريا اسلوبها السابق في التعاطي من خلال زيارات القيادات السياسية والحزبية اللبنانية الى العاصمة السورية بدعوات رسمية من الرئيس الاسد نفسه، و<الحفاوة الرسمية البالغة التي يحاط بها الزوار>، فتعقد مباحثات رسمية وتصدر بيانات مشتركة، كما حصل بالنسبة الى زيارة رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون وزيارات كل من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الحزب الديمقراطي طلال ارسلان، ورئيس تيار التوحيد وئام وهاب والمدير العام السابق للامن العام جميل السيد وغيرهم كثيرين.
أفلا يعد ذلك عودة الى ما قبل انسحاب الجيش السوري من لبنان والى تكرار نفس الاخطاء السابقة، وهي التعامل مع اللبنانيين احزاباً وطوائف وجماعات وافراداً بدلاً من التعامل مع الدولة اللبنانية صاحبة العضوية العاملة في الامم المتحدة من منطلق التعامل من دولة الى دولة وعبر المؤسسات الدستورية.
واذا كان هناك تفسير آخر لمثل هذا التدخل فهل تقبل سوريا بأن يستقبل المسؤولون اللبنانيون من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب شخصيات سورية مختلفة من نواب ورؤساء احزاب ورؤساء طوائف، ام انها تعتبر الامر تدخلاً في شؤونها الداخلية وتقيم الدنيا ولا تقعدها على الدولة اللبنانية وكل المسؤولين فيها هذا هو السؤال؟