#adsense

الحوار المقبل بين حدي الوحدة المزيفة والتكاذب

حجم الخط

لا شك ان التوافق والحوار بين اللبنانيين افضل الاساليب لتجنب الصراعات والنزاعات الداخلية ولقطع بادر الفتن والقلاقل وارساء استقرار وامن وتوازنات سياسية بين الجميع، ولكن ما يحصل في زماننا الحالي في المشهد السياسي اللبناني اليومي هو اننا كل يوم كما البهلوان الذي يتقلب على الحبل الرفيع بين التوافق والتكاذب. فبتنا نشعر ان البلاد تدار يوما بالتكاذب ويوما بالتوافق المغشوش بدوره، بمجرد ان تصطدم الابحاث بمواضيع مكرسة ومقدسة كما الاستراتيجية الدفاعية والسلاح غير الشرعي.

نقول هذا الكلام لاننا ومن دون الغوص في الكثير من التفاصيل اليومية – نشعر ان البلاد اليوم وتحت شعار التوافق والوحدة الوطنية – تنزلق رويدا رويدا باتجاه اخطاء الستينات والسبعينات حينما كانت سياسة "لا غالب ولا مغلوب" تنهش كل يوم من مناعة جسم الدولة ومناعة المجتمع السياسي اللبناني حتى كان اندلاع الحرب في العام 1975 شرارة سقوط هذه المعادلة باتجاه معادلات اكثر حسما وفرزا – وصولا الى الطائف وما بعده – محطات تاريخية وسياسية هامة كرست منطق في ادارة امور الدولة يتراوح بين التوافق (اللفظي احيانا والجزئي احيانا اخرى) وبين التكاذب المفضوح احيانا كثيرة اخرى، بحيث كانت السياسات واسترتيجيات التصدي للملفات الشائكة لا تزال تعتمد في الكثير من الاحيان سياسات "طمر رأس نعامة الخلافات في الرمل" او " تأجيل البت فيها " او "ارجاء الاستحقاقات" لنقول للرأي العام اللبناني ان الامور مستتبة وكل شيء على خير ما يرام وان ثمة استقرار سياسي وامني واقتصادي فيما حقيقة الوضع ان النار تحت الرماد والتحديات المحلية والاقليمية والدولية على اشد تصارعها وتطاحنها وتأثيرها على الساحة الداخلية.

فلا يكاد المواطن يركن الى التطمينات حتى تندلع امامه فورة بركان من هنا او تصريح من هناك او اشتباكات مسلحة بالسلاح المتوسط والثقيل او بتركيبة سناريو على الطريقة الهوليوودية هنالك لمحاولة الايقاع بفريق لبناني او فئة لبنانية، ما يعيد القلق وخلط الاوراق مجددا الى نفوس المواطنين وبالتالي خوفهم على الغد ومن الغد.

عندما شكلت حكومة الوحدة الوطنية الحالية قيل انها ستكون حكومة كل لبنان وكل اللبنانيين لا بل حكومة وحدة وطنية حقيقية، فنرى اليوم عجز هذه الحكومة عن تطبيق ما التزم به المتحاورون على طاولات الحوار السابقة، كما بنتيجة بحث قانون الانتخابات البلدية واحالة مشروعه الى مجلس النواب ومعمعة دراسات اللجان وما تحت اللجان وما فوق اللجان وما في كواليس اللجان والصراع الخفي تارة والمعلن طورا حول النسبية واعتمادها او عدم اعتمادها وحسابات الربح والخسارة لدى هذا الفريق او ذاك كلها مواضيع مصطنعة لالهاء الشعب وصرف انظاره عن المشاكل الحقيقية التي تثير الخلاف العميق بين اللبنانيين واولها موضوع كيفية مواجهة التهديدات الاسرائيلية والاستراتيجية الدفاعية وقرار الحرب والسلم. وقد بدى لنا منذ شن الهجوم الوهابي الشهير على رئيس الجمهورية اخيرا ان موضوع الحوار والاستراتيجية الدفاعية دخل رياهب الموت "الكلينيكي " اي السريري – لنهتم باصلاحات من هنا وكوتات من هناك ونسبية من هنا وتقسيم او عدم تقسيم بيروت من هناك – فيما المنطقة المحيطة على كف عفريت والتحديات الاقليمية والدولية ذات التأثير المباشر على الداخل اللبناني على اشدها في ظل تشدد ايراني متجدد من موضوع الملف النووي واستنفار دولي متعاظم ضد ايران وتصاعد وتيرة التهديدات الاسرائيلية للبنان وسوريا واخيرا على خلفية الصواريخ المتطورة من نوع سكود الى "حزب الله" – وصولا الى تهديد نجاد لاسرائيل ان هي اعتدت على لبنان او "حماس" في قطاع عزة – فكأننا في لبنان اليوم يلهوننا بتشريعات وانتخابات بلدية مهما قيل وعمل وسنت تشريعات وعلى اهمية هذه الاستحقاقات الانتخابية والدستورية والقانونية والديمقراطية، ستبقى انتخابات عائلية وعشائرية وفئوية ومناطقية وقروية ضيقة لها الف اعتبار واعتبار والف حساب وحساب من خارج حسابات التيارات والاحزاب والكتل والتكتلات سواء في الطابع أوالمضمون او الاهداف او النتائج .

من هنا نخشى، ونحن على بعد ايام قليلة من جولة حوار جديدة في القصر الجمهوري، ان نكون في لبنان حاليا ومنذ تأليف الحكومة في مرحلة جديدة من التكاذب والتلطي وراء الاصابع للهروب من الذي يفرق تحت حجة الالتقاء على ما يجمعنا كونه اكثر مما يفرقنا وهذا صحيح … ولكن ان استمرينا بالتهرب من مواجهة الملفات الساحنة ولا سيما ملف سلاح "حزب الله" ومسألة قرار الحرب والسلم ومسألة امساك الدولة بسيادتها على كامل التراب الوطني والاستراتيجة الدفاعية، بتلهية الراي العام يوما بقانون انتخابات بلدية على اهميتها ويوما باصلاحات وحديث عن اصلاحات وسجالات لا تنتهي حولها ويوما بالحديث عن كوتا نسائية واعتماد النسبية وسواها وعن اصلاح الكهرباء والتلفون وسواها من ملفات على اهميتها وحيويتها لتعلقها بالمواطن ومعيشته اليومية – فان حتى الذي يجمعنا قد نفترق عليه عند اول امتحان او خطر داهم او تطور غير ايجابي يستجد على الوضع اللبناني بتأثيراته الخارجية القريبة والبعيدة على غرار ما حصل في 2006 وتداعيات الاحتقان وصولا الى 7 ايار المشؤوم.

جميل ان نتفق ونتوافق … وان يكون اللبنانيون متوحدون على قضايا كثيرة تهم الوطن والمواطن والمؤسسات – وجميل جدا ان يسود الوفاق والتوافق على كل شيء لو امكن (مع ان هذا التوافق في امكنة كثيرة يتحول الى عقبة في طريق تطور الديمقراطية وفي طريق الدستور اللبناني الذي حفظ للديمقراطية اصولها وقواعدها التي ليست كلها توافقية عكس ما يقولون في "8 اذار") … لكن الاجمل ان لا نترك القضايا المصيرية عالقة ونصور الامور بأن مجرد التقاء النواب الموالين والمعارضين مثلا في ساحة النجمة وتحلقهم حول طاولات اللجان وطاولات الغذاء في مطاعم ساحة النجمة وتبادلهم النكات والاحاديث والسلامات – يعني ان لبنان قطع القطوع الداخلي – الذي سيبقى هشا طالما ان قسما من اللبنانيين ما زالوا مقتنعين باهمية ربط لبنان منفردا بصراعات المنطقة وربط لبنان منفردا بمواجهات المحاور الاقليمية والدولية. فلا يجب ان نعود الى خطأ ابائنا في الخمسينات والستينات والسبعينات عندما كانوا يفضلون المجاملات على التصارح والموالفة على التحاور الصريح والمباشر معتمدين التأجيل في بت القضايا الكبرى حينا والمماطلة والتسويف والبازارات في بت بعضها الاخر احيانا اخرى – ما ادى الى تعاظم الاخطاء والاخطاء ولدت الانفجار الكبير صبيحة 13 نيسان 1975 الذي نستذكره بعد ساعات قليلة.

انها دعوة صادقة ومسؤولة ووطنية صرفة مئة في المئة الى عدم التضحية بالصراحة والصدق والشفافية من اجل التوافق والحفاظ على استقرار هش يفتقد الى دعائم صلبة واسس متينة، اذ ثمة نتوءات لا بل مؤشرات تتجلى يوما بعد يوم من هنا وهناك تارة بمطالبة رئيس الدولة بالاستقالة وطورا بالتهديد بان بين خيار السلاح وخيار الوحدة يبقى الخيار الاول الاهم على ما عداه وباستغلال حادث امني في منطقة معينة من لبنان لتضخيمه استهدافا لفئة لبنانية مسيحية عريقة وصامدة في وجه قوى التبعية والالحاق وقضم سيادة واستقلال لبنان – وسواها من عينات ومؤشرات ان دلت على شيء فعلى وجود خلل اساسي وخطير وبنيوي في الوضع اللبناني يجب على اهل الدار ان لا يتناسوها او يتغاضوا عنها او يؤجلوها بموازاة التصدي لكافة الملفات والشؤون الوطنية الاخرى.

من هنا فاننا نرى ان طاولة الحوار المقبلة باتت محكومة سلفا بتطورات المرحلة الاخيرة وما صدر من مواقف في الداخل والخارج حيال مسألة الصراع الاقليمي والمواجهة مع الغرب – وبالتالي فان الرئيس سليمان ومع الاحترام والتقدير لمبادراته الوطنية الصادقة وهو المؤتمن على الدستور والنظام – لن يستطيع تجاوز الكم الهائل من العقد والعقبات التي وضعت امامه في هذا الفاصل الزمني الضيق بين اخر جولة حوار والجولة المقبلة – لانه وبكل بساطة بعض اشخاص الحوار على طاولة القصر الجمهوري لم يعودوا هم ذوو الصفة للتحاور معهم في الاستراتيجية الدفاعية – ونعني بهم "حزب الله" وممثلي قوى "8 اذار" – لان البحث بهذه الاستراتيجية بات خارجا عن اطاره اللبناني الضيق وقد اصبح مرتبطا بالمعادلات الاقليمية والدولية، لذا وجب علينا من الان وصاعدا البحث عن تلك الاستراتيجية مع النظام السوري والنظام الايراني مباشرة .

لذلك نجد ان طاولة الحوار سقطت كتجربة سياسية – من دون ان نعني ان الحوار سقط – بل يجب ان يستمر ولكن لم تعد لدينا امال بان يكون هذا الحوار اللبناني – اللبناني هو ملاذ ايجاد الحل للاستراتيجية الدفاعية.

لذلك فاننا مدعوون الى قول الامور كما هي من دون مواربة ولا تكاذب: لبنان اليوم مخطوف من قبل انظمة الممانعة الاقليمية – ولم ينفع تحريره الا بالتفاهم اللبناني الرسمي المباشر معها او التمسك بوحدة "14 اذار" وبالثوابت الوطنية ومبادىء ثورة الارز والاستعداد لكافة انواع التضحيات على مذبح لبنان اولا والمحكمة الدولية ثانيا.

لبنان اليوم على مفترق استراتيجي وسياسي اقليمي ودولي خطير والكلمة اليوم هي لمتطلبات الصراع الاقليمي – الدولي ولو على حساب لبنان السيادة والحرية والاستقلال، وهذا ما لن نقبل به على الاطلاق…

فان كان قسم من اللبنانيين لا يرى السيادة الوطنية الا بالالتصاق بالاقليم والالتحاق بسيادة الاخرين عليه – فان قسم اخر يرى ان لا سيادة تعلو على سيادة الدولة اللبنانية واستقلال البلاد وحرية شعبه …

هذه هي الحقيقة … فما على الرسول الا البلاغ …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل