#adsense

13 نيسان: ثمن الارتهان على حساب الوطن

حجم الخط

بعد ساعات قليلة يستذكر اللبنانيون لحظات المأساة الوطنية الكبرى التي عصفت اعتبارا من 13 نيسان 1975 على وطنهم – تلك المأساة التي اودت بالبلاد والعباد والتي افتتحت حلقة جهنمية من الصراعات والنزاعات الدموية بين اللبنانيين اطاحت الدولة والسيادة والاستقلال وحولت الوحدة الوطنية الى انقسامات افقية وعامودية حادة كان ضحيتها لبنان وشعبه الامن.

واليوم وامام الذكرى، نقف حائرين متسائلين بشيىء من القلق: هل نسي اللبنانيون هذه الذكرى وما ترمز اليه وما تحمله من دروس قاسية عليهم الاتعاظ منها لبناء مستقبل صادق وواعد وشفاف؟
دون الرغبة في نكىء جراح الماضي واستحضار الصور البشعة لتأمر اللبنايين على بعضهم والاستقواء بالخارج من اجل كسر خصوم الداخل – الا اننا نود استخلاص بعض العبر وتذكير البعض بها علهم يتعظون:

اولا: ان الانفجار الكبير سنة 1975 جاء نتيجة احتقانات مزمنة بدأت غداة اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 حيث ظهرت في حينه لدى فريق من اللبنانيين الرغبة في عدم الاعتراف بهذا اللبنان واعلنوا ولاءهم والتحاقهم بالمحيط ممثلا بسوريا – فبرأينا من هنا ومنذ هذه اللحظة بدأت الحكاية – تلك الحكاية التي لم تعالج كما يجب ولم تحسم كما ينبغي رغم المحاولة الجدية من اباء الاستقلال الاول عام 1943 حينها ايجاد صيغة تجمع الاضداد وتدور الزوايا كي يستطيع اللبنانيون العيش بسلام في بلد واحد من خلال خلق فكرة لبنان للبنانيين مسلمين ومسيحيين بعيدا عن التأثير والتأثر المباشرين بالمحيط (لا للشرق ولا للغرب) فوضعت اللبنة الاولى لفكرة لبنانية وطنية جامعة – لكنها لم يكتب لها النجاح بعد ذلك لان الاجيال اللاحقة من السياسيين امعنت في تجميد تطوير هذه الصيغة، لا بل اعادتها الى نقطة البداية وفرطت في الامانة الاستقلالية التي اودعت لديهم – فبرزت مع الوقت ازمات ولاء وازمات اقتناع وقناعة بلبنان نهائي لجميع ابنائه وبعمل لبناني موحد من اجل لبنان متطور وديمقراطي.

ثانيا: من هذه الزاوية وبغياب القناعة الوطنية الجامعة لدى فريق واسع من اللبنانيين بجدوى الكيان اللبناني المستقل والسيد – تضاعفت المؤثرات الخارجية لتعبث بالارض اللبنانية الخصبة لشتى الانقسامات العقائدية والسياسية وبالتالي لشتى التدخلات والاهواء – بحيث وجد الشقيق كما الصديق كما العدو في لبنان واللبنانيين الساحة الفضلى لتنفيس المخططات وتبادل الرسائل وصراعات النفوذ في المنطقة واوقع بعض اللبنانيين انفسهم في شرك هذه الاطماع والمؤامرات على لبنان واستقراره وسيادته – فكانت التجارب اللاحقة بدءً من العام 1958 وصولا الى 1975 – وفي كل محطة من هذه المحطات لم يكن قسم من اللبنانيين يتوانى عن اظهار عدم ولائه وعدم انسجامه مع فكرة لبنان الدولة والكيان السياسي الا بقدر ما يخدم هذا اللبنان مصالح الاخرين ولو على حسابه.

ثالثا: تكشفت حقيقة الصراع عن انقسامات حادة تارة حول حلف بغداد وتارة حول المد الناصري وطورا حول الفكر البعثي العربي الاشتراكي وطورا حول مفهوم القومية والامة وارتداداتها الدينية والعقائدية والفكرية والحصارية من هنا وهناك – وتداخلت بالتالي المفاهيم فيما بينها فباتت العروبة نقيض اللبننة والعروبة مرادفة للاسلام والاسلام مرادف لاستئصال الجماعات الدينية الاقلوية الاخرى والناصرية مرادفة لابتلاع حدود الدول العربية وهوياتها السياسية المتميزة والمتمايزة (حتى تسمية القطر بحد ذاتها باتت في استعمالاتها تهدف الى الاستفزاز والابتزاز السياسي) – والوحدة تعني قضم الشخصيات الذاتية لجماعات لحساب اخرى الى ما هنالك – فوقعنا جميعنا في لبنان في دوامة تناقضات وتصارعات ونزاعات لم يدفع ثمنها بالنهاية الا وطننا، في وقت دعمت الدول العربية الاخرى وجودها وذاتيتها من سوريا الى مصر والعراق وسواها. مع ان لبنان ككيان سياسي كان السابق تاريخيا منذ القرن التاسع عشر ان لم نعد كثيرا الى الوراء في التمتع باستقلالية ذاتية عن سائر الشعوب والبقع الحغرافية المحيطة به والتي كانت ذائبة تحت حكم خلفاء وتحت حكم ولاة تابعين للسلطنة والباب العالي يستمدون وجودهم وشرعيتهم من ارادات واعترافات الاخرين، فيما اللبناني كان يستمد شرعيته من انتمائه للارض وتشبثه بها وعدم توانيه عن دفع الغالي والنفيس حتى الشهادة في سبيل حريته وهويته الذاتية.

رابعا: انطلاقا من هذا التحليل السياسي والتاريخي نستطيع فهم (ولكن من منطلق الجدل العلمي ليس الا) حقيقة ازمة لبنان مع هويته – لا بل ازمة بعض اللبنانيين مع هويتهم اللبنانية حتى يومنا هذا: فان تبدلت الادوار وتغير اللاعبون وانقلبت السيناريوهات، الا انه لا نزال نعيش اليوم نفس التناقضات ونفس الازمة مع فريق من اللبنانيين على هويتهم والمتغربين عن الوطن في سبيل مصالح خارجة عن مصالح الوطن.

فالازمة كانت ولا تزال ذات وجهين:
ازمة ولاء للهوية اللبنانية – فلا ولاء الا من خلال ما تحتمه مصالح الاخرين.
ازمة اقتناع بلبنان الوطن النهائي – وذلك رغم عشرات المحاولات والوثائق السياسية والتاريخية وصولا الى اتفاق الطائف الذي بدل ان يكون ارضية حل هو بدوره تحول اليوم الى ارضية اشكالات واستشكال – طالما ان ارادة بالاعتراف بالانتماء غير متوفرة.

وعلى هذه الحقيقة نقف اليوم ونحن نستذكر 13 نيسان 1975 وخوفنا الشديد وقلقنا الدائم من انه وحتى الساعة ثمة من لم يتعلم شيئا من التجربة المرة والمدمرة وهو لا يزال الى الان يرى لبنان من مناظير اتجاهات اخرى ويرتضي لنفسه دور خادم انظمة اخرى على حساب النظام اللبناني – فاهواء البعض لا تزال تنظر الى الخارج بعين الطوعية والارتهان فيما الوطن بحاجة الى ارتهان كل ابنائه اليه وحده – فما نفعهم ان ربحوا تحالفاتهم الاستراتيجية والوجودية وخسروا لبنان مهد وجوديتهم ومساحة انسانيتهم؟

13 نيسان يجب ان تكون صرخة من اعماق اللبنانيين المؤمنين بهذا الوطن بوجه من لا يزال يتاجر بجلدة ابيه واجداده – كفى… كفى… دفعنا اثمانا غالية ليبقى لنا وطن – انظروا الى الفلسطيني الذي يستميت من اجل استرجاع شارع وحي وقرية – فلنكن جميعنا ولو ليوم واحد لبنانيون نراهن على هذه الارض المقدسة والطاهرة ونرتهن لها ونرتفع الى مستوى قدسيتها متخليين عن اوساخ ونفايات التبعية والاستلحاق…

فليكن رهاننا وارتهاننا للبنان… بدل ان نصلبه مجددا في 13 نيسان اخر لحساب من قرر استمرار الارتهان للخارج القريب والبعيد…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل