إذا كان أمن كل منهما مرتبطاً بالآخر فعلاً لا قولاً
لماذا لم تساعد سوريا لبنان على قيام الدولة القوية ؟
يتساءل مرجع ديني هل أمن لبنان هو فعلا لا قولا من أمن سوريا وامن سوريا من أمن لبنان كما نص على ذلك اتفاق الطائف ومعاهدة "الاخوة والتعاون والتنسيق" بين البلدين؟ فاذا كان الامر كذلك، فما الذي حال حتى الآن دون تطبيق هذه المعادلة؟ واذا كان قيام دولة قوية في لبنان قادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها هو في مصلحة البلدين، فلماذا لا تساعد سوريا لبنان على قيام هذه الدولة؟ وهذه المساعدة تبدأ بمنع وجود سلاح خارج السلطة وخارج كنفها عندما تعجز الدولة اللبنانية عن ذلك واسوة بما تفعله سوريا داخل اراضيها، وهو ما لم تفعله بالنسبة الى لبنان لا عندما كان تحت وصايتها ولا بعدما اصبح خارج هذه الوصاية.
وذكّر المرجع بما نص عليه اتفاق الطائف الذي بوشر تطبيقه في ظل الوصاية السورية:
"تقوم حكومة الوفاق الوطني بوضع خطة امنية مفصلة مدتها سنة هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانية تدريجا على كامل الاراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، وتتسم خطوطها العريضة بالاعلان عن حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية خلال ستة اشهر تبدأ بعد المصادقة على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني".
ونص الاتفاق ايضا: "تقوم بين لبنان وسوريا علاقات مميزة تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الاخوية المشتركة، وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق والتعاون بين البلدين وسوف تجسده اتفاقات بينهما في شتى المجالات بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في اطار سيادة واستقلال كل منهما، ولان تثبيت قواعد الامن يوفر المناخ المطلوب لتنمية هذه الروابط المتميزة، فانه يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لامن سوريا وسوريا لامن لبنان في اي حال من الاحوال، وعليه فان لبنان لا يسمح بان يكون ممرا او مستقرا لاي قوة او دولة او تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا، وأن سوريا الحريصة على امن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق ابنائه، لا تسمح باي عمل يهدد امنه واستقلاله وسيادته".
وفي خطاب القسم للرئيس الراحل الياس الهراوي اكد "ان خيار اللبنانيين بين دولة تقوم على الاخلاق والكفاءة وبين دولة تقوم على المحسوبية وانعدام الاخلاق، اخترنا دولة الاخلاق. وبين دولة تحقق العدالة الاجتماعية الشاملة على اساس الانماء المتوازن للمناطق وبين دولة الحرمان والاجحاف والتمييز بين المواطنين، اخترنا دولة العدالة. وبين دويلات الطوائف المتنافرة والضعيفة وبين الدولة الواحدة القوية الجامعة التي تعزز الانتماء الوطني المحض على حساب الانتماء الطائفي من دون ان تمس حقوق اية طائفة او وجودها او حريتها، اخترنا الدولة الواحدة التي تضم العائلات الروحية المتنوعة في اطار الوحدة الوطنية الشاملة والصحيحة. وبين ان تبسط الدولة سلطتها تدريجا على كامل اراضيها وبواسطة قواتها الذاتية فتحل جميع الميليشيات وتجمع السلاح وتعزز قواها الامنية والعسكرية لتعود السلطة الضامنة الوحيدة لحقوق المواطنين، اخترنا دوام سيادة القانون. وبين ان نبقى دولة عاجزة عن بسط سلطتها على كامل اراضيها وبين ان نسرع ببناء قواتنا الذاتية لنستعيد قدراتنا على بسط سلطة القانون ونستغني عن اي وجود عسكري في لبنان، اخترنا بناء الدولة القادرة على بسط سلطتها على كامل اراضيها، والا تبقى مرتفعة في لبنان سوى البندقية الشرعية اللبنانية. وبين ان نبقي صفحة سوء التفاهم بين لبنان والشقيقة سوريا مفتوحة مع ما ينجم عنها من اضرار للبلدين عرضت شعبنا للكثير من المآسي، وبين ان نطوي هذه الصفحة نهائيا ونفتح صفحة جديدة مشبعة بروح التعاون الصادق الكفيل بخلق اجواء الثقة المتبادلة وبناء علاقات اخوية تحقق مصلحة البلدين والشعبين في اطار سيادة واستقلال كل منهما، اخترنا التوجه الاخير خصوصا وقد أُعلنت الشقيقة سوريا موافقتها على وثيقة الوفاق الوطني مع ما حوته من تأكيد لسيادة واستقلال لبنان ولكونه وطنا نهائيا لجميع ابنائه اسقط مخاوف البعض وهواجسه".
ان شيئا مهما من كل هذا لم يتحقق حتى في ظل الوصاية السورية على لبنان مدة 30 عاما، فهل يمكن ان يتحقق الآن وبعد خروج سوريا من لبنان ما نص عليه اتفاق الطائف، واكدته قرارات هيئة الحوار الوطني عام 2006 ومعاهدة "الاخوة والتعاون والتنسيق" واتفاق "الامن والدفاع"؟
إن ما تحقق كان خلاف ذلك، فلم تخرج سوريا من لبنان الا بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وقيام "ثورة الارز" وصدور قرار مجلس الامن رقم 1559، الامر الذي ادى الى مزيد من التوتر في العلاقات بين البلدين، والى انتشار مزيد من السلاح خارج الدولة وفي ايدي لبنانيين وغير لبنانيين، والى عدم تطبيق ما نصت عليه الاتفاقات المعقودة بين لبنان وسوريا، فكان العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006 وواجه لبنان وحده هذا العدوان خلافا لما نصت عليه هذه الاتفاقات، وتعرض البلد لاحداث امنية داخلية خطيرة في 7 ايار فاستغلها البعض سياسيا ليحول دون تمكين الاكثرية النيابية التي انبثقت من انتخابات ديموقراطية حرة من الحكم. وصدرت قرارات بالاجماع عن هيئة الحوار الوطني، فلم تساعد سوريا لبنان على تنفيذها ومنها على الاخص ازالة الاسلحة الفلسطينية خارج المخيمات، وها ان استمرار بقائها اخذ يهز الامن في مناطق وجودها وينعكس قلقا وخوفا على اللبنانيين المقيمين فيها، وكأن سوريا تنتظر ان يطلب لبنان منها رسميا مساعدته على ضبط الوضع او على ازالة هذه الاسلحة لتظهر للداخل والخارج ان لبنان عاجز وحده عن حفظ الامن ولا بد من مساعدة سوريا له، ولم تساعد سوريا لبنان على وضع مزارع شبعا في عهدة الامم المتحدة تمهيدا لاستعادة سيادته عليها بحجة ان ملكية هذه المزارع لا تزال موضوع نزاع… وهو نزاع لا يمكن حسمه مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي لهذه المزارع، وهي في الواقع تريد ان يظل حل هذا الموضوع مرتبطا بحل موضوع الجولان، كما انها لم تساعد على اقفال ملف المفقودين والمعتقلين في السجون السورية لمعرفة من لا يزال منهم حيا، ولم تسلم مطلوبين من لبنان لجأوا اليها، ولم تساعد على تنفيذ القرار 1701 بصرف النظر عن موقف اسرائيل منه التي قد لا يكون لها مصلحة في تنفيذه، ومن الطبيعي ان لا تعامل الدولة العدوة لبنان كما تعامله الدولة الصديقة والشقيقة، حتى اذا ما صار تنفيذ هذا القرار ولو من طرف واحد، تجد اسرائيل نفسها في وضع حرج امام المجتمع الدولي.
ويختم المرجع الديني بالقول، اذا كان لاسرائيل مصلحة في الا تقوم في لبنان دولة قوية تبسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها وتسقط الذرائع التي تبرر استمرار خرق القرار 1701، وتهديد امن لبنان من حين الى آخر ليبقى هذا القرار غير قابل للتنفيذ ويبقى اللبنانيون على خلافاتهم وانقساماتهم ولا وحدة وطنية تجمعهم للتصدي لها، فهل لسوريا مصلحة ايضا في ان يبقى لبنان من دون دولة قوية قادرة على حكم نفسها بنفسها واتخاذ القرارات الوطنية المستقلة، بل ان تبقى هذه الدولة ضعيفة وعاجزة لتظل في حاجة اليها، اي الى سوريا؟!