#adsense

13 نيسان ذاكرة الحرب والكذب

حجم الخط

جيلي دهمته الحرب وهو يقفل أبواب السنوات العشر الأولى من عمره، ولم تفارقه حتى اليوم خيالات نشوبها من جديد، أذكر صفير القذيفة الأولى، وصوت انفجارها، وأي بيت أصابت، أما ضحاياها فكانوا طلبة مصريين يدرسون في جامعة بيروت العربية، أذكر المجزرة الأولى وقتلى من النساء والأطفال ينتظرون رغيف الخبز أمام فرن كان يعرف بـ"فرن تلة دار الأيتام" في الطريق الجديدة، كان يوم ذعر حقيقي، والأغنيات من إذاعة لبنان الوحيدة يومها في لبنان، محمد جمال يرندح: "على ذُرى لبناننا الخصيب"، ووديع الصافي يغني: "وصلت على لبنان.. هالعلم الإنسان حب وعطا وإيمان"، خوف أهلنا شغلهم عن إدراك حجم السواد الذي يكتنف دواخلنا، لم يكونوا ليلاموا، فقد تحوّلوا إلى هررة يفرون بنا من مكان إلى آخر علهم ينجون بأرواحنا من موت عبثي…

وأذكر أيضاً كل المجازر اللاحقة، كيف يحتمل عقل إنسان أن يعايش كل هذه المجازر، اليوم تحديداً، في ذكرى 13 نيسان أود أن أخاطب جيلاً لا يعرف الحرب اللبنانية، لأنه لا يقرأ، ولا يريد أن يقرأ، ولا يعرف حتى أن معظم أسماء اللاعبين والوجوه التي يشاهدونها خصوصاً الوسطاء خطت لنا شقاء سنوات عمر انتبهنا متأخراً أننا لم نعشه، وهؤلاء وإن تغير خطاب بنادقهم التي اعتادت الانتقال من كتف الخاسر إلى كتف معسكر الرابح لضمان استمرار وجودها السياسي، وإن تغير لسان حالها ومفرداتها، وإن استعاد بعضها مفرداته القديمة لضرورة الاستمرار أيضاً، هم اللاعبون والشهود والمستمرون في المقامرة بحياة الشعب اللبناني، على وجه الحقيقة ؛ نحن نعيش تكاذباً طويلاً، لم نصارح بعضنا بعضاً كلبنانيين، نحن مجموعة طوائف تخاف من بعضها ويحفل تراث كل طائفة بأمثال عن الطوائف الأخرى، وأحياناً تتآمر على بعضها، وأحياناً على نفسها، وكلما استقوت طائفة سعت لسحق الطوائف الأخرى…

للسياسيين الذين ما زالوا هم أنفسهم رواياتهم عن أيام الحرب ولهم أسلوبهم في رواية يخرجون منها أبطالاً أنقياء مناضلين، وأنا أيضاً مواطنة لها روايتها: (…) مطلع تشرين الأول خريف العام 1991 كانت سيارة تقلّنا باتجاه خراب "ساحة الشهداء"، موسيقي.. فنانة.. وأنا، لتصور الفنانة حلقة لمصلحة التلفزيون الفرنسي قبيل احيائها بضع حفلات في باريس، وعلى مشارف "خراب" الفنادق كانت السيارة تتمهّل في سيرها، ليقوم "الموسيقي – المايسترو" بدور المرشد على أطلال الخراب، أشار بيده إلى الفندق الشاهق.. "الهوليداي إن"، قال بحسرة تدلّ على توحش الآخر، "العدو الشريك" في صناعة هذا الخراب، وبصوت يملؤه الحزن شرح للفنانة: من أعلى طبقات الفندق ألقوا بمقاتل، فأيقظ في ذاكرتي شبح القناص!! في ذاكرته، كان هناك مقاتل يحمي السواتر من تسلّل العدو!! في ذاكرتي لم أجرؤ على تصديق حزنه على المقاتل – القناص!! لم أتأخر لحظتها عن تقديم روايتي "المغايرة" المدعمة بمأسوية الدماء المراقة: لم يكن مقاتلاً، كان قناصاً، يتّم أطفالاً وشرّد عائلات، وقصف زهرة شباب كثيرين بينهم "مصطفى".. ذاك الشاب، كان سعيداً بزوجته الحامل "تقنص".. مات!! كيف هو شكل القناص؟ كنت أتخيله مقنعاً لا أدري لمَ، مع أنه يرى ولا يُرى!!

وصلنا ساحة الشهداء…الخراب.. التمثال..أذكر خيالاتها في ذاكرتي الطفلة، "ازدحام" لا أكثر.. كل الحجر نخره الرصاص والشظايا وضربه زلزال الهدم، لحظتها أدركت أن ذاكرة اللبنانيين كهذا الخراب، منخور من كل نواحيه، ولكل طائفة "ناحية رؤية"، تفترض أشياء كثيرة أولها: براءتها واتهام الآخرين!!

كان الفرنسيون سعداء بما أنجزوه في هذا المكان انبعاث صوت من لبنان ليؤكد عودة لبنان – الفينيق… عندما انطفأ مولد الكهرباء كانت الظلمة ثم الخوف الحاضر الأكبر في قلوب فريق العمل اللبناني، انطلقنا باتجاه السيارات كمن يفر من شبح ماضي عاره الذي يُطارده، هل كنا كما نظر إلينا هؤلاء الغرباء؟ كانت خلفية الخراب المشهد – الشاهد "الرائع" الذي اختاروه مسرحاً حياً لتصوير أغنيات وطنية وكان السؤال يبدو لي ملحاً: ما الفرق بيننا وبين الخراب الذي صنعناه؟ وكيف سنستطيع تقديم ذاكرة واحدة صادقة لأجيال تسألنا، وكلٌ يجيبها من زاوية رؤية ذاكرته، في وطن هو الوحيد بين بلاد الدنيا الذي لا يملك تاريخاً واحداً متفقاً عليه لينطوي بين دفتي كتاب!!

الذاكرة الوحيدة الحقيقية والصادقة وسط هذا الخراب هنا، هي الضحايا!! فور إعلان توقف الحرب، أصبح الضحايا مجرد أرقام محصية: موتى، جرحى، مفقودون، معوقون!! أصبح الناس فجأة مع إعلان انتهاء الحرب بلا ملامح، بلا وجوه، بلا أسماء، بلا حكايا لموتهم وغيابهم، طوتهم مقولة "توافق" على إعلان الكل "شهداء لبنان"!!

حتى "الشهادة" في لبنان "توافقية" كديموقراطيته!! إذن؛ كان الاختلاف ممكناً حتى على تصنيف هؤلاء الشهداء وعن أية قضية استشهدوا، وعن أي وطن؟! وللمفارقة؛ كثيرون حاربوا من أجل الآخرين وبمال الآخرين وبسلاح الآخرين، وكثيرون من هؤلاء الذين حملوا تصنيف "شهيد" سقطوا برصاص قناص أو برصاص بعضهم البعض أو برصاص الآخر، وهم خارجون محملين بغنائم حرب نهب محال ومؤسسات وأرزاق الآخرين، وشيعوا أيضاً بلعلعة رصاص يعلن أن المقتول: "شهيد"!! من ذا الذي يستطيع أن ينوب عن الله ليوزع منازل الآخرة:هذا يستحق منزلة الشهيد والنعيم وآخر يستحق نار الحريق ومنزلة الجحيم؟! هكذا يحل اللبنانيون قضاياهم الكبرى!!

رواية الكاتبة: من مقدمة كتاب لها يصدر قريباً: "حروب الطوائف – ذاكرة الحرب والكذب التي لا ترحم".

المصدر:
الشرق

خبر عاجل