تستمر سياسة التشويش واثارة الشكوك حول طبيعة العلاقة بين سوريا والرئيس سعد الحريري، وحول زيارته المرتقبة لدمشق.
ففي حين يتوجه غدا وفد من المديرين العامين والخبراء الى العاصمة السورية لاستكمال الاتصالات الناشطة بين الحريري والقيادة السورية، والتي تركز على تحضير الملفات موضوع الزيارة ووضع اللمسات الاخيرة عليها وفقا لمصالح البلدين. وفي حين يعلن الحريري من اسبانيا ان زيارته لسوريا باتت قريبة، ثم يتبين ان اتصالا حصل بينه وبين القيادة السورية قبل أيام واتسم بالود والايجابية.
في هذا الحين، ترتفع عاصفة من التحليلات والتأويلات في السياق اياه المستمر منذ زيارته الاولى، الى محاولة الايحاء أن رياحا باردة تتحكم في العلاقة بينه وبين دمشق، وأن الامور ليست على ما يرام، وأن هناك "دفتر شروط" وضع خلال زيارته الاولى ولم ينفذ. وأكثر من هذا تصل المزاعم الى حد القول إن السعودية التي ترعى تحسن العلاقة اللبنانية – السورية عبر بوابة الحريري والحكومة وذلك في سياق سعيها لاعادة ترتيب أوضاع العلاقات العربية – العربية، تطالب هي ايضا بالتزام "دفتر الشروط" المذكور، ثم يأتي من يقول ان تركيا دخلت على خط اصلاح الامور بين دمشق والحريري، ولم يعد ينقص إلا القول ان الامر سيعرض على مجلس الامن؟
ربما تتهاوى كل محاولات التشويش التي يبذلها أولئك الذين يريدون ان يكونوا الوكلاء الحصريين السياسيين الوحيدين لسوريا في لبنان، الذين سبق أن تذمروا من الحفاوة التي لقيها الحريري من الرئيس بشار الاسد، فسرّبوا النظرية التي قالت في حينه "سيأتي يوم نحتاج الى وساطة الحريري مع سوريا".
فعلا ربما تتهاوى صدقية هذه الحملة من التخريب اذا توقفنا بدقة وامعان أمام كلام السفير السوري علي عبد الكريم علي أول من أمس في احتفال الخيارة حيث قال:
"ان ما يحرص عليه الرئيس الاسد هو أن نكون في مراجعة نقدية مستمرة ومفتوحة ودائمة في الداخل السوري وفي العلاقات السورية – اللبنانية".
ولأن الحريري مقتنع بنظرية الاسد حول ضرورة قيام علاقات أخوية لبنانية – سورية تحتذى على المستوى العربي، فانه يسعى جادا لتكون زيارته الثانية لدمشق محطة عملية لتنقيح وتجويد كل الاتفاقات التي تكفل رسوخ العلاقات على قاعدة "المراجعة النقدية المفتوحة والدائمة" التي أشار اليها السفير علي.
ويعرف المسؤولون في دمشق ان الحريري يبذل جهودا صلبة وحازمة في أوساطه وداخل "تيار المستقبل" لتوحيد لغة الخطاب ومنطلقه ونبرته. ويعرف السوريون واللبنانيون ايضا انه في هذا السياق يسعى مع حلفائه في 14 آذار، اكثر مما تسعى دمشق مثلا مع حلفائها في 8 آذار، بهدف ضبط الخطاب والاداء بما يساعد فعلا على ترسيخ العلاقات الاخوية التأسيسية والتصحيحية والثابتة والدائمة التي يفترض قيامها بين البلدين الشقيقين.
واذا كان من المتوقع ان تقول دمشق انها لا تتدخل في تفاصيل ما يقوم به حلفاؤها من تشويش على العلاقة مع الحريري، فمن الطبيعي ان يكون واضحا لدى المسؤولين السوريين ان الحريري لا يرأس حزبا حديديا يستطيع ان يضعه فورا امام نظرية "كن فيكون"، وأنه لا يستطيع إلزام تجمّع 14 آذار القواعد الجادة التي يلزم بها اوساطه وتياره في شكل متصاعد الآن، ولكن هذا لا يعني في النهاية، انه لا يعمل على نطاق يتجاوز حدود تيار المستقبل الى المستوى الوطني لارساء قواعد صلبة للعلاقات التي يطمح اليها البلدان وتكون أخوية ومميزة وتحتذى.
وبالعودة الى كلام السفير السوري على سياسة المراجعة النقدية المفتوحة للعلاقات اللبنانية – السورية، فان ما ينشر في بيروت لا يفترض أو بالاحرى لا يجوز ان يكون معبِّرا فعلا عما تريده دمشق، وخصوصا عندما يتصل الامر برأيها او بشروطها حيال القوى المسيحية في 14 آذار، بمعنى ان دمشق لا يمكن ان تجعل معيار العلاقة مع الحريري، هو ما تريده وإن لم تفصح، من بعض القوى المسيحية في 14 آذار، على الاقل لأنها تعرف أمرين:
أولا ان الحريري يسعى لكنه لا يقدر أن يفرض اذا أراد. وثانيا أن الخروج من صقيع الماضي القريب الى حرارة المستقبل يحتاج الى وقت.