على صحة التوقعات والتقديرات التي تستبعد تغييرات جوهرية في الخريطة السياسية الداخلية بعد الانتخابات البلدية والاختيارية المقبلة، فإن هذا الاستحقاق لن يكون في المقابل على ما يصوره اصحاب هذه التوقعات كأنه فاقد العصب السياسي او كأنه يسبح خارج جرم بعض التحولات الجوهرية التي حصلت ما بين الانتخابات النيابية والانتخابات البلدية.
ولعل نقطة التحول الاساسية التي يتعين رصدها في بعض مناطق الاختلاط المتعدد الطائفة والطرف هي تلك التي ستبرز للمرة الاولى منذ عام 2005 ولادة "تفاهم رباعي" جديد، وهذه المرة بخلفية سياسية داخلية – اقليمية ثابتة وليست انتخابية عابرة على غرار التفاهم الرباعي الذي شهدته الانتخابات النيابية عام 2005 في ظروف شديدة التوهج والانفعال. التفاهم الجديد يقوم على الرباعي "امل" و"حزب الله" و"التيار الوطني الحر" والحزب التقدمي الاشتراكي. وإن كانت معالمه "العملانية" لم تتبلور بعد في مناطق الاختلاط، خصوصا في الجبل الدرزي – المسيحي، فإن بعض هذه المعالم بدأ يبرز برأسه في نواح من الساحل والمتن الجنوبي والضواحي موحياً بارتسام الاثر السياسي لانقلاب النائب وليد جنبلاط على قوى 14 آذار واستكماله تقريبا الخط البياني بالكامل لتماهيه التام مع قوى 8 آذار.
يكتسب هذا التطور اهميته الحقيقية ليس من منظار الاثر الانتخابي الذي لا يصنف في طبيعته "البلدية" في خانة "استراتيجية" وانما من امكان ان يغدو التحالف الرباعي الجديد العنوان المتطور لفريق 8 آذار على اساس "تثقيله" بالشريك الدرزي الاول، اي النائب جنبلاط، ذلك ان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي خطا عقب زيارته لدمشق خطوتين واسعتين نحو الطلاق مع موقعه الوسطي والانضمام الى فريق 8 آذار اقله في مسألتين اساسيتين هما من صلب ادبيات هذا الفريق قديما وحديثا. فموقف جنبلاط الداعي الى تبني المقاومة بالكامل وحمايتها وصولا الى مطالبته بسحب موضوع سلاح "حزب الله" من التداول والحوار هو في الواقع جوهر تكوين فريق 8 آذار بشقيه الشيعي والمسيحي، ولو ان العماد ميشال عون لم يصنف اصلا ضمن هذا الفريق بل كان حليفه على اساس تفاهمه مع "حزب الله"، كما ان انضمام النائب جنبلاط الى المطالبين باعادة النظر في "الاتفاق الامني" اللبناني – الاميركي (التسمية السياسية لاتفاق الهبة الاميركية لقوى الامن الداخلي) لا يترك ادنى شك في انحيازه الى "الاساسيات" التي يطرحها "حزب الله".
في كلا الحالين يظهر الكثير من التماهي ووجوه الشبه بين جنبلاط وعون في طلائع حركة كل منهما للتحالف مع الثنائي الشيعي تدريجا. ولكن عون كان شديد الوضوح وذهب الى خياره الجديد عام 2006 دفعة واحدة ، في حين ان جنبلاط يعتمد نهج الخطوة خطوة والجرعات المتدرجة في الانسحاب من وسطيته والاقتراب اكثر فأكثر من نهاية موقعه الجديد في معسكر قدامى المعارضين.
وربما لا يساعد عامل الوقت الداهم في بلورة هذا التحالف الرباعي بالكامل في الانتخابات البلدية خصوصا ان ليس من مصلحة جنبلاط ان يغضب دفعة واحدة الافرقاء المسيحيين في قوى 14 آذار في الشوف وعاليه وبعض المناطق الاخرى، ومع ذلك فان محركات هذا التحالف تبدو كأنها اقلعت بدينامية عالية اقله على مستوى رسم خط سياسي "ممانع" عالي الوتيرة على رغم ما يشوب العلاقة البنيوية بين الرئيس نبيه بري والعماد عون من عيوب بالولادة والاكتساب، وهو تحالف سيبنى عليه الكثير في المرحلة المقبلة داخل السلطة وخارجها كبديل من الاطار القديم والمتهالك لفريق 8 آذار.