هناك اعتقاد سائد وهو أنه لا بد من اعتماد العملية الانتخابية لإخراج المجتمعات من تقوقعها البدائي والعشائري، على خلفية أنها وسيلة أثبتت عن نجاحها "النسبي" في مناطق مختلفة من العالم، وعن تفوقها في غياب وسيلة أخرى، في إحداث التغيير باتجاه الحداثة والتطور الاجتماعي. ولكن رب أسئلة عديدة تطرح اليوم حول أسباب فشل هذه الوسيلة في بعض البلدان وبخاصة العربية منها، أسئلة نطرحها ونحن نشاهد تعثر العملية الديموقراطية في العراق وارتطام نتائج الانتخابات الأخيرة بالحائط المسدود. وبالتالي يأتي التساؤل بشأن جدوى استعمال وسيلة الانتخابات في بعض المجتمعات غير المؤهلة لها. يبقى أن مبدأ "الانتخابات هو حق للشعب ويشكل المدخل الضروري لإحداث التغيير المنشود"هو مبدأ صحيح بالمطلق ويهدف إلى تحقيق طموحات وأحلام المواطنين كل المواطنين بغض النظر عن طوائفهم وميولهم وانتمائهم، ولكنه غالبا ما يتحول وللأسف عند غالبية القادة الحاليين إن في لبنان أو في العراق إلى كلام حق يراد به باطل.
يهرول الشعب نهار الانتخابات إلى صناديق الاقتراع فرحاً ملؤه الأمل بالتغيير والرغبة في إنتاج السلطة المناسبة لتحقيق الغد الأفضل. لا تذهب طموحات الناس عادة إلى أبعد من مطلب "الغد الأفضل"، وهو مطلب واقعي وشامل. ولكن المؤسف أنه في لبنان سابقا وفي العراق اليوم وبدل هذا "الغد الأفضل"، نرى أن ما أفرزته العملية الانتخابية على أرض الواقع هي أوضاع أسوأ من ذي قبل أي من فترة ما قبل الانتخابات. فالرفض المبرم والنهائي لنتائج الانتخابات، عن طريق عدم الاعتراف بحقوق اللوائح الفائزة والرضوخ لرأي الأكثرية الخارجة من الصناديق، شكلت مجتمعة مدخلا للتنافر والشجار والتقاتل والتشاتم ولكيل الاتهامات بين مختلف الفرقاء والأطراف النافذة على الأرض، وما زالت…
فلسطين، العراق، ولبنان، قد تكون من أكثر البلدان العربية ثقافة وقابلية للانفتاح والتطور والحداثة، ولكنهم يشكلون في الوقت نفسه نموذجا لفشل العملية الانتخابية. أما الأسباب فباتت معروفة ومنها العائد لاستفحال الاستقطاب الطائفي والعرقي والقبلي (العراق ولبنان)، ومنها الآخر الذي استولده تصاعد المد الإسلامي السياسي المتطرف، وهيمنة الأحزاب الدينية (جزء من فلسطين). إن الاستقطاب الطائفي والذي طغى على الحالة السياسية في هذه المناطق العربية الرائدة اضعف الأحزاب العلمانية وساهم في دك أسس المجتمع الحضاري وإلى تهجير وإبعاد الفئات المثقفة المؤهلة لإنتاج النظام الديموقراطي العلماني الصحيح. دون أن ننسى الدور السلبي والعائد لدساتير قديمة وغير مواكبة لرغبة التطور المنشودة (فلسطين) أو الدساتير المكتوبة على عجل (العراق) أو المستحدثة وغير المطابقة لتطلعات الشعب المثقف (دستور الدوحة- لبنان). وهي دساتير ساهمت هي الأخرى في إعاقة وإرباك النشوء الطبيعي للسلطة من رحم الأكثرية.
إن بناء دولة ديموقراطية ومجتمع ديمقراطي في أي بقعة من العالم هو عملية بطيئة وتدريجية ومليئة بالخطوات المتعثرة والمترددة والتراجعات وحلول الوسط. تستغرق سنيناً بل عقوداً طويلة. ولا يكون بناؤها قطعاً عن طريق إسقاط الانتخابات داخل مجتمعات قامت حديثا بهذه القفزة الهيولية إلى الوراء. قفزة إلى الوراء بسبب إعادة إمساك المكونات الطائفية بمصير الانتخابات، وثانياً بسبب تحول المحيط بكامله إلى ناخب مهم في الداخل. فكيف تقام الانتخابات في ظل أزمة وجود الدولة، بل في غيابها، وأي نتائج يرتجى منها في هذه الحال؟
إن المتغيرات الجيوسياسية التي طرأت على المنطقة، بعد حربي الخليج الأولى والثانية وبعد سقوط العراق أرست معادلة إقليمية وموازين قوى جديدة في المنطقة العربية،استفحلت تداعياتها شراسة في الاغتيالات السياسية التي طاولت مواقع ومراجع سياسية مختلفة في لبنان وفي استفحال التنافر المذهبي والقتل العشوائي في العراق، وإلى تقطيع أوصال الكيان الفلسطيني حتى لو حدث هذا في غياب المكونات المذهبية المختلفة في الكيان الفلسطيني. معادلة تقول بأن النزاعات الطائفية في أي من هذه البلدان يعني بشكل مباشر كل الأقطار المجاورة. وبالتالي قد لا يكون مستغرباً أن تظل نتائج الانتخابات أي انتخابات تجري في داخل هذه البلدان وإن توصلت في أحسن الأحوال مكونات هذا الداخل إلى نوع من الاتفاق فيما بينها، سبباً لتحول أرضية هذه البلدان إلى حلبة صراع للقوى الخارجية ولتثبيت نفوذها وتفوقها. لذلك قد يكون من المستحيل توقع صدور معادلة سياسية عبر أي انتخابات نيابية في العراق اليوم تنسجم مع تطلعات وطموحات الشعب العراقي وفي نفس الوقت مع أهداف ومصالح دول الجوار بشكل متكامل ومنسق.
ورب أسئلة عن البدائل. والجواب يكون أولاً في عدم المواربة، وفي عدم الهروب من الواقع الطائفي للاختباء وراء الانتخابات على أساس أنها الوسيلة الديموقراطية بامتياز.لأن النتائج في أوضاع كهذه قد ترتد بشكل سلبي على الجميع، وعلى المراوغين والدجالين في المرتبة الأولى. ويكون الجواب ثانياً في اعتماد بدء الإصلاح من الأساس من أساس العلة، حتى تصبح الأرضية صالحة ومؤاتية لإجراء الانتخابات. تبدأ بمرحلة تمديد للمجالس القيادية القائمة (على علاتها ونواقصها) على أن تكون هذه الفترة مرحلية، يتم خلالها الشروع ببناء مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية والقضائية، على أسس حديثة وعصرية تستبعد المحاصصة الطائفية بقدر الإمكان. من بعدها يصار إلى تحفيز بناء الأحزاب غير الطائفية والعابرة للطوائف حتى تشكل نسيجاً صحيحاً للعمل السياسي غير المرتبط أو المرتهن لولاءات طائفية أو مرجعيات دينية داخلية أو خارجية. من بعدها يصار إلى إعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية، وفي الدستور وصولا إلى تعديل أو شطب ما يتعارض والتوصل إلى انتخابات نافذة النتائج، عن طريق الإقرار بحقوق الأكثرية، ومن ثم عرض هذه التعديلات على الشرائح الشعبية حتى يتم التصويت عليها لتصبح نافذة وقوية الركائز على المدى البعيد.