فعلاً، إنه عالمٌ غريبٌ عجيب، يعجز المرء فيه، وحتى المتابع والمراقب والخبير، عن الإحاطة بما يدور حوله وحول الكرة الأرضية، فيتابع في آن واحد ما جرى في (قمة الأمن النووي) في واشنطن، وما يجري في آخر قريةٍ لبنانية على مستوى التحضير للإنتخابات البلدية والإختيارية.
المحلل الصحافي يجد نفسه أمام (قمة المفارقات) فهو يعرف ان (قمة واشنطن) ستُحدِّد مسار الأسلحة النووية للسنوات العشر المقبلة، في أقل تقدير، وهو يعرف ان الإنتخابات البلدية يتلهف لمعرفة مسارها كل الشعب اللبناني، فإذا ركّز على (قمة واشنطن) وأغفل البلديات، (يمتعض) الشعب اللبناني لأنه لم يَرَ في ما كتبه ما يشفي غليله، وإذا ركز على الإنتخابات البلدية وأغفل (قمة واشنطن) فإنه يشعر بأنه ارتكب (خطأ مهنياً) بتركيزه على ملف محلي واغفاله ملفاً عالمياً.
لكن على اللبناني أن يُدرِك ان ما جرى في واشنطن يعنيه أيضاً مباشرةً، صحيحٌ انه لم يكن يوماً بلداً نووياً، لكن الصحيح أيضاً انه في منطقة بات الملف النووي فيها سبباً لإندلاع حرب لن يكون بمأمن عنها، فقمة الأمن النووي التي انعقدت أمس وأول من أمس في واشنطن بمشاركة 47 دولة بينها ست دول عربية، بحثت، من بين الملفات المطروحة أمامها، الملف النووي الإيراني، وهناك معلومات تمّ استقاؤها من مصادر ديبلوماسية رفيعة في القمة، تُشير إلى (إتفاقٍ) على فرض عقوبات جديدة على إيران الشهر المقبل خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي في نيويورك، ما يعني لبنان من هذا التطور أنه سيكون مشاركاً في الإجتماع المرتقب وانه سيرفض تلك العقوبات التي لن يكون سهلاً تمريرها، فالصين وروسيا غير متحمستين لهذه العقوبات، ومن دون موافقة هاتين الدولتَين فان قرار العقوبات دونه عراقيل، حتى ان ايران لا تبدو أن القرار المرتقب يُقلقها بدليل ما قاله الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، تعليقاً على قمة واشنطن، من ان (هؤلاء الحمقى الذين يتولون مسؤولية القيادة، اغبياء متخلفون يشهرون سيوفهم كلما واجهوا قصوراً، دون أن يُدركوا ان زمن هذه التصرفات ولى).
* * *
يقرأ الخبراء في مقررات قمة واشنطن وفي رد ايران الإستباقي نوعاً من وضع المنطقة على حافة التوتر، ولبنان هو البلد المعني بالدرجة الأولى بانعكاسات هذا التوتر، لأن عوامل عدة تتجمّع فيه وليست بمنأى عنه، وعليه فإن المراقبين يتوقعون صيفاً سياسياً حاراً لأن (تبادل الرسائل) بين واشنطن وطهران قد يمرّ على أرضه.
* * *
هذه القراءة ليست تخويفاً أو تهويلاً، بل دعوة إلى الأطراف اللبنانيين ليُدركوا الأبعاد الحقيقية للعاصفة الداكنة التي تقترب من المنطقة، فيُخففوا من السجال الذي اعتادوا عليه ولا جدوى منه، ويعمدون، في المقابل، إلى تحصين المناعة الداخلية والإلتفاف حول حكومة الحريري لسد الثغرات التي عبرها يمكن أن تتسلل تلك الرياح والعواصف. وعملية التحصين لا تكون بمجرد المواقف بل بالخطوات العملية والميدانية في كل القطاعات، ولعل تمرير الإنتخابات البلدية والإختيارية بأقل ضجيج ممكن وبأقل مماحكات ممكنة، من شأنه أن يؤدي عملياً إلى إبقاء الوضع محافظاً على الإستقرار.