#adsense

التذكّر شرطٌ للنسيان والاعتراف شرطٌ للمسامحة

حجم الخط

في ذكرى 13 نيسان وتواريخ شبيهة
التذكّر شرطٌ للنسيان والاعتراف شرطٌ للمسامحة

أحيا لبنان قبل يومين الذكرى الخامسة والثلاثين لانفجار الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975، بنشاطات وطنية متنوعة أكدت على التمسك بالسلم الأهلي "الهشّ"، الذي تضعضع مرات عدّة منذ انتهاء الحرب بشكل رسمي.

قبل 35 سنة كان لبنان مسرحاً لحرب على أرضه، ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه واستقراره السياسي والأمني والاقتصادي، بعدما كان أنموذجاً رائداً في التعايش والتعددية والنمو، فأصبح شبه وطن مثقلاً بالانقسامات السياسية، والديون التي أرهقت اقتصاده، ومشروعات الحروب التي تتحين الفرص للانقضاض على كل ما تحقق منذ وقف الحرب في عام 1990 بعد اتفاق الطائف.

لا مناص من الاعتراف بأن إرث الحرب ثقيل. وأثقل منه ذلك الأرشيف الضخم لمآسيها وأهوالها وجرائمها البشعة، قتلاً وخطفاً وقهراً بعبثية وطيش واحتقار لكل المفاهيم الإنسانية والدينية والثقافية، بما ترك ندوباً كبيرة في الذاكرة اللبنانية، بشقيها الفردي والجماعي، لا تزال تحول دون تجديد حقيقي للعقد الاجتماعي، بشروطه المعتبرة، كمدخل للتسوية التاريخية بين اللبنانيين، على غرار ما آلت إليه تجارب أمم مرت بظروف مشابهة.

الذاكرة الجمعية، هي ذاكرة التاريخ، ذاكرة الأمة. أما الذاكرة الفردية فهي ذاكرة الشاهد. وفي الطريق إلى التوصل لذاكرة عادلة، متوازنة، تستطيع أن تنسى وأن تخرج من حزنها وثقلها وشقائها وعذاباتها لتغفر أو تسامح، لا بدّ من إنعاش الذاكرة اللبنانية الراكدة بأن كل شيء يبقى كامناً إذا لم يتحقق شرطا التذكر والاعتراف بما هما ممارسة جمعية أو سلوك فردي. فإرث ذاكرة الحرب في مراجعات السياسيين، في شهادات الجلادين والضحايا، كما في الأعمال الأدبية والإبداعية، لا يزال قليلاً جداً إذا ما قورن بالتركة الباهظة التي خلفتها عشرون سنة من الاقتتال (200 ألف ضحية، و197 ألف جريح ومعاق، و19 ألف عملية خطف). لم يكشف "أبطال" الحرب عن أدوارهم، ولم يستسمح الجلادون من ضحاياهم، فيما يطلب من الضحية التجاوز وطي الصفحة؟

في الذاكرة الثقافية للحروب الأهلية في فرنسا وإسبانيا وروسيا، أدبٌ وثّق للحرب الوطنية لكنه استلهم من النضال لبناء الدولة الأمة، وهو منثور في روائع "الحرب والسلم"، لتولستوي، "لمن تقرع الأجراس" لهمنغواي، "الأمل" لاندريه مالرو، و"ثلاث وتسعون" لفكتور هوغو. لكن في المقابل، برزت أنطولوجيا المقدرة أو الإنسان القادر الذي استعاض عن قول ديكارت "أنا أفكر إذاً أنا موجود" بالقول "أنا أقدر إذاً أنا موجود"، معادلة ابتكرها بول ريكور في "التاريخ، الذاكرة والنسيان"، حيث تبدو الحياة عنده مزيجاً من المأساة العميقة، ومن فعل إيمان متشبث بطلب السعادة، وعيشها عبر تجاوز الماضي. هي تلك المفارقة الحادة عبر خطاب شقاء الإنسان بتاريخه العنيف وحلمه بالوصول إلى ذاكرة عادلة تكون بمثابة تتويج لنهاية سعيدة.

"الذاكرة"، إذاً، تنتمي، في العادة، إلى علم النفس ثم إلى التاريخ وهو علم إنساني قائم بذاته. هي الحافظة الأولى للتاريخ، وتقف كوسيط بينه وبين المستقبل، وهي تحوي النسيان نفسه الذي يشكل في النهاية الأفق المحدود لكل التجربة الإنسانية في كل امتداداتها الزمنية.

أما "النسيان" وهو المتعلق بالوضع البشري للكائن المسمى الإنسان (وفي العربية سمّي إنساناً لكثرة نسيانه)، لا يقصد منه المسح والإزالة delete، أو التلاعب بالوقائع وتحريفها، بل التغلب على الاكتئاب والحزن والسعي للسعادة، وهو مفهوم سماوي عريق أكدت عليه الديانات في حديثها عن السماحة والفطرة، فطرة الخير التي تدفع إلى الابتعاد عن الخطيئة ومقابلة السيئة بالحسنة.

أما "الغفران"، فهو تأمل التجربة الإنسانية وحدود الذاكرة وصولاً إلى المصير الإنساني وأفقه المفتوح والمحدود في آن معاً.
الذاكرة تحفظ الماضي، والتاريخ يحفظ أحداث الماضي، والنسيان يقول لنا أي ذاكرة تستحق أن نحتفل بها وأي ذاكرة علينا أن نتركها تذهب بسلام ليلفها النسيان ببلسمه.

ثم ماذا؟ وأين نحن من كل ذلك؟
من يعرف السّاسة في لبنان، يعرف أنهم موهبون بالكلام، والإكثار منه بنهم كبير، وخصوصاً في ما يتصل بموجبات المصالح السياسية والشخصية، وكل الشاشات والإذاعات والصحف تشهد بذلك، لكن الغريب حدّ التعجب هو ذلك التعفف عن ممارسة التذكر في ما يتصل بأدوارهم خلال الحرب.. وبعدها، وتدثّرهم بتلك الطوباوية المحترفة فإذا بهم جميعاً "رجال الجمهورية" في كل المراحل والعهود والحقب.

لم يسجل تاريخنا الحديث، أي مرحلة "ما بعد.. بعد" الحرب الأهلية، سوى حالتين من النقد الذاتي لتلك المرحلة، لكنهما على فرادتهما شديدتا الدلالة. الأولى، للنائب وليد جنبلاط يوم وقف في حرم الجامعة اليسوعية (26 كانون الثاني 2005)، ليقول "لا بدّ من الخروج من دوامة تبادل التهم، مع الاعتراف بمسؤوليتنا في دائرة العنف، ومسؤوليتنا عن نتائجها. ولكن، في الوقت نفسه، لا بدّ من الاعتراف بأن أيّاً من المتقاتلين لم يحرز نصراً، إذ لا يمكن لأحد أن ينتصر على مواطنيه وجيرانه وإخوانه بتدمير تعايش عمره آلاف السنين"، مشدداً غلى ضرورة "أن نتذكر بأننا في مكان ما كنا أحجار اللعبة العربية والدولية التي كانت أعقد من أن يتمكن أحدٌ من منع الانفجار".

في الحالة الثانية، وكانت بعد صمت طويل للأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، في تأبين المناضل جورج حاوي (7 آب 2005). تحدث إبراهيم عن "مسؤولية النقد الصريح لما كان من أخطاء الحركة الوطنية، وبعضه كان قاتلا (..) إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، واستسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي، فكان ما كان". وهو إذ يقرر أنه يسوق هذا النقد الذاتي "بالرغم من أننا لم نسمع حتى اللحظة ما يعادل هذا النقد وضوحاً أو يلاقيه صراحة من الضفة الأخرى"، يعتبر أن الغاية من ذلك "أن تصبح للبلد ذاكرة نقدية مشتركة نستطيع أن نستلهم منها معادلة لبنانية شاملة ترسي ثوابت صون الموقع الإقليمي للبلد من ناحية، وتحدد أصول الصراع حول مستقبل نظامه السياسي من ناحية ثانية".

وفي كل حال، يبقى السؤال مفتوحاً على الجهة التي تمتلك المشروعية (Legitimacy) الحقيقية التي تخولها ادّعاء النضج الوطني والأهلية لإدارة الجمهورية، أو حفظها من الشطط مجدداً نحو الاقتتال الداخلي؟ لكن لقائل أن يقول، من ذا الذي زعّم هؤلاء على أولئك؟ وقديماً قال ابن خلدون في تحليله لنفسية الجماهير "فاز المتملقون"، ومن بعده بمئات السنين قال أمير الحرية المشرقية عبد الرحمن الكواكبي عن الجماهير أيضاً، هم "سلاح الاستبداد". نفسية الجماهير تلك التي غاص في تحليلها إريك فروم في "الخوف من الحرية"، إذا ما عُبأت ضدّ بعضها، وزين لها الحكام الخروج والتدافع، بمبررات شبه مقدسة، بسبب نفسيتها الخضوعية Inferior، أو بأثر من انفصام الشخصية Schizophrenia، أو بلوثة متلازمة Stokholm Syndrome، للهتاف باسم الزعيم المبجل، والتقاتل ليكون هو وحده لا لشيء غير ذلك.

في محاولات لبنانية جادة، لتسجيل ذاكرة الحرب إبداعاً وتستحق التوقف عندها، كان كتاب بيان نويهض الحوت "صبرا وشاتيلا- أيلول 1983" (2003)، ومن بعده كتاب الزميل يوسف بزي "نظر إليّ ياسر عرفات وتبسم" (2005)، كما حضور السينما اللبنانية في هذا المقام، بأرشفة بعض من يوميات الحرب برؤية نقدية، فكان "وست بيروت" لزياد دويري (1998)، و"أشباح بيروت" لغسان سلهب (1998)، و"البيت الزهر" لجوانا حاجي توما، و"طيف المدينة" لجان شمعون (2000)، و"دخان بلا نار" لسمير حبشي (2009).

قبل يومين وفي إطار النشاطات التي تقيمها جمعيات أهلية، أقيم بجانب خيمة اهالي الضحايا المفقودين في وسط بيروت لقاء جمع إلى هؤلاء أحد المسؤولين عن مآسي كثيرين في الحرب. وقف أسعد الشفتري الناشط حالياً في مجال السلم الأهلي أمام هؤلاء معتذراً منهم عما فعله بهم. عن ذنوب الحرب اللبنانية قال "سامحوني" وأصرّ على مخاطبة كل واحد من الحاضرين بطلب الصفح، والمطالبة بالمحاسبة. قطعاً لم يكن الاعتذار على قدر فظائع الحرب لكنه فعل محمود، يستجرّ سؤالاً مهماً: اين بقية المذنبين؟ متى يقف كل الجلادين أمام ضحاياهم وجهاً لوجه؟ هل يكفي اعتذار واحد؟ أو هل يكفي أن يتذكر اللبنانيون، أو بعضهم، الحرب يوماً واحداً وينسوها 364 يوماً؟

أنا أستطيع أن أتذكر إذاً أنا موجود، وأن أنسى فأنا موجود، وأنا أستطيع أن أدوّن تاريخي وأن أستملكه فأنا موجود.. وأنا أستطيع أن أغفر من دون أن أنسى فأنا أؤكد كياني بممارستي لهذه الاستطاعة التي أملكها.
الإنسان قادر على التذكر، وكذلك على النسيان، وقبل ذلك كله إنه قادر على الغفران من دون حساب ولكن من غير أن ينسى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل