المصادفات وحدها استطاعت أن تجمع في يوم واحد ما بين جلسة الحوار اللبناني حول الاستراتيجيَّة الدفاعيَّة وانفلاش السلاح خارج أي رقابة للدولة، و"الهلع" الذي انتاب واشنطن وجعلها تسارع الى إبلاغ دمشق قلقها مما نُشر وأذيع عن "نزوح" كميَّات من صواريخ "سكود" في اتجاه "حزب الله".
من غير القفز فوق ما يُسمّى عادة برميل بارود الشرق الاوسط، واطلاق التحذيرات المبكرة من "خطر على لبنان".
حتماً، لم يقدِّم الكلام الأميركي ولم يؤخِّر بالنسبة الى "أعمال" طاولة الحوار، وجدول أعمالها الذي انطلق من بند واحد… ليتطوَّر لاحقاً الى ما يشبه الحوار المفتوح حول المستجدَّات "الدفاعيّة"، ويشمل باهتمامه فوضى انتشار السلاح خارج المخيمات الفلسطينية، وخارج المربعات الأمنيّة، وخارج أي معرفة وأي تدابير للدولة اللبنانيّة.
وبما أنّ الشيء بالشيء يُذكر، فان المجتمع الدولي التقى مع الشرعية الدولية، وواشنطن كذلك، في ابداء القلق من عودة التوتّر الى تخوم الجنوب اللبناني وعودة الكلام على حركة صواريخ غير عاديَّة ومن نوع "سكود" هذه المرة.
وللمناسبة بَلَغ بيروت والمتحاورين في قصر بعبدا ما بلغ كبار المسؤولين في الشرق والغرب عن رسالة الستة والسبعين سناتوراً أميركيّاً، الى وزيرة الخارجيَّة هيلاري كلينتون، حيث يوصون عَبْرها ادارة الرئيس باراك اوباما "بالحرص على سلامة العلاقات مع اسرائيل" وتعزيزها. مع لفتة عابرة الى وجوب بذل الجهود "لازالة التوتر الراهن" في المنطقة.
لا داعي هنا الى تذكير المتحاورين، وسائر المسؤولين، وعموم اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والعرب، بان أصل البلاء والمشكلة والمصيبة يكمن في حلول دولة اسرائيل وبالقوة محل الوطن الفلسطيني والشعب الفلسطيني والأراضي الفلسطينية.
وكلما لاحت بشائر متغيِّرات وخطوات "تصحيحيّة" ينوي البيت الأبيض الاقدام عليها مع الادارة الأميركية، تتحرَّك "اللوبيّات" الصهيونية في اتجاه الكونغرس الأميركي، ومراكز النفوذ، ومراكز القرار.
هنا، في هذا المجال، وعند هذه النقطة الجوهريَّة، من حق المسؤولين اللبنانيين والقيادات اللبنانية، بل من واجبهم أن يجتمعوا ويتحاوروا ويتشاوروا، ويظهروا ما لدى كل منهم من ارادة ورغبة في تجنيب لبنان كأس الانتقام مرة أخرى. أو مرة عاشرة. أو للمرة العشرين.
ثمة سؤال مطروح على المؤمنين: ماذا ينفع الانسان اذا ما ربح العالم وخسر نفسه؟ والواقع الراهن الاليم يقول للبنانيين: ماذا ينفع لبنان اذا ما ربحتم "سباق" الاستراتيجية الدفاعية ومعها السلاح، ووقعت الوقيعة وطلع تحذير واشنطن في محله بالنسبة الى "الخطر على لبنان".
معروف لدى القاصي والداني انها تحبل عادة، حتى في الصين، وتلد في لبنان.
واللبنانيون لا يحتاجون الى التذكير دائماً بأن بلدهم الممزق هدف لاكثر من جهة وطرف. ومحاصر بالعداء الاسرائيلي منذ كان قرار التقسيم سنة 1948.
وسيبقى في قلب العاصفة المتوسطية، ويدفع الثمن الباهظ، ما لم يتعال مَن في يدهم أمر الحل والربط عن كل ما هو شخصي وفئوي ومصلحي، ليجنبوا بلدهم ويجنبوا شعوبهم وأنفسهم نتائج أي مغامرة، ومن أي صوب أتت، الى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.