بين تطمينات تستبعد المواجهة ومؤشرات سلبية تزيد القلق
لبنان المحرج الأكبر بتطاير الرسائل الساخنة!
بين اتهامات اسرائيلية لسوريا بتزويد "حزب الله" صواريخ سكود مع ما تحمله هذه الاتهامات من تهديدات بامكان تعرض لبنان لضربة عسكرية ونفي ديبلوماسي سوري واتهام الدولة العبرية في المقابل بعرقلة تحسن العلاقات بين واشنطن ودمشق، بدت الصورة السياسية محلياً سوريالية ومحرجة الى حد كبير. اذ ان لبنان الملتئم بكليته حول طاولة الحوار لم يكن لديه ما يقوله في هذا الموضوع فيما "تتطاير" الاتهامات المتبادلة فوق رأسه وصولا الى تعليقات من واشنطن وباريس ترغب في التأكد من صحة هذه المعلومات، كأن ما يجري لا علاقة له به او لا يملك ما يقوله فيه، في وقت يحاول ان يظهر ارادة نسبية لاستعداده للبحث في ما يسمى الاستراتيجية الدفاعية التي يشكل السؤال ما اذا كان يملك الحزب صواريخ سكود فعلا جزءا منها او يفترض ان يكون كذلك من حيث المبدأ. الامر الذي يثير تساؤلات حقيقية اذا كانت طاولة الحوار تنفع في ظل هذه المعطيات مع اختلاف وجهات النظر وتضاربها في هذا الاطار.
هذه الصورة تظهر تعقيدات الوضع الذي يواجهه لبنان في هذه المرحلة واسباب القلق عليه على نحو غامض وغير مريح. اذ كشفت مصادر سياسية في بيروت وعلى خلفية تصاعد المواقف التي فجرتها اتهامات اسرائيل لسوريا بتزويد "حزب الله" صواريخ سكود ان قلقا كبيرا يغلب على التقويم السياسي والديبلوماسي للوضع الداخلي في لبنان وان ثمة تحركات او نشاطات غير معلنة وبعيدة من الاضواء تعبر عن هذا القلق وتشي بالاستعداد الديبلوماسي على الاقل لكل الاحتمالات الممكنة بما فيها احتمال تفجر مواجهة يكون لبنان ملعبها وذلك على رغم التطمينات التي يبديها اكثر من مسؤول محلي وديبلوماسي ازاء الوضع في اطار استبعاد حرب اسرائيلية على لبنان تترجم التهديدات الاسرائيلية السابقة له.
ويسري على نطاق واسع ان موقفا اميركيا حازما حمله رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي السناتور جون كيري اخيرا لدى زيارته لسوريا يتعلق بوجوب وقف امدادها "حزب الله" بالسلاح على رغم دعمه لتحسن العلاقات بين بلاده وسوريا. ولم يلبث الكونغرس ان عبر عن اعتراضه على تعيين سفير اميركي في سوريا تبعا لشائعات او معطيات تتفاعل في الاطار نفسه بما يظهر استمرار عدم شعبية سوريا في الكونغرس الاميركي والاعتراض على الانفتاح عليها في هذا الوقت او دعما لمطالب اسرائيل في الدرجة الاولى بوقف سوريا دعمها بالسلاح لـ"حزب الله"، علما ان سوريا لم تتمتع يوما بشعبية لدى الكونغرس باستثناء عهد الرئيس جورج بوش الاب حين تحالفت معه من اجل تحرير الكويت وعلما ان اسرائيل بكل اركانها ومسؤوليها دخلت على خط تغذية هذه المعطيات الاخيرة. الامر الذي يترك السؤال معلقا او غير واضح حول متى يمكن الادارة الاميركية ان تطرح اسم السفير الاميركي المعين لدى دمشق روبرت فورد من اجل الموافقة عليه في مجلس الشيوخ باعتبار انها لن تطرحه مجددا ما لم تضمن الموافقة عليه. وهذا جانب آخر من المسألة لكن الامور قد تتعقد اذا ثبت ارسال سوريا صواريخ سكود الى "حزب الله" نظرا الى الخطورة التي يمثلها هذا الموضوع وفق ما عبرت واشنطن على الاقل اذ لن يكون سهلا لجم اسرائيل عن الاعتداء على لبنان.
وتكشف المصادر المعنية تطورين مهمين على الاقل يشيان بقلق غير محدد حيال تطورات الوضع في لبنان. احدهما يكمن في نقل اجتماع مهم كان مقررا عقده في بيروت في الاسابيع المقبلة الى دولة مجاورة لاسباب لا تبدو مفهومة من حيث المبدأ باستثناء ما يمكن اعتباره تجنبا لتطورات غير محسوبة او مفاجئة بصرف النظر عن ماهيتها علما ان الانتخابات البلدية والاختيارية التي تقرر اجراؤها في شهر ايار المقبل يفترض ان تشكل عامل اطمئنان الى عدم وجود نية لدى اي فريق في لبنان للخربطة لزعزعة الوضع. وهناك تطور آخر يتمثل في اجراءات اتخذها اطراف دوليون محددون تحسبا لاي طارئ بما يمكن ان يعنيه ذلك من احتمالات تدهور الوضع الامني على خلفية اعتداء اسرائيلي محتمل على لبنان.
وبصرف النظر عن هذين التطورين فان مراجع سياسية في بيروت لا تنكر واقع القلق نتيجة تطورات اقليمية غير مرتقبة مع التوجه الدولي نحو فرض عقوبات جديدة على ايران والذي يتبلور شيئا فشيئا مما يجعل لبنان في حال انتظار بين امرين أحدهما احتمال التوصل الى تسوية مع ايران والآخر وقوع مواجهة معها خصوصا ان الاحداث المتفاقمة في العراق بعد الانتخابات التي حصلت هناك تكشف مدى الصراع الجاري في المنطقة والذي يتخذ من العراق ملعبه الاساسي حاليا بدلا من لبنان من دون ان يعني ذلك احتمال ابتعاد لبنان طويلا عن الواجهة.