أعذرني، لم تسنح لي الظروف أن أزورك في الاسبوعين المنصرمين، وحتى زيارتي الاخيرة لك لم نجلس خلالها معاً بهدوء كالمعتاد…
تبسّم الابتسامة المعهودة وأجابني: بعرف بشو كنت ملتهي يا مسيو يحشوشي. يعطيك العافية…
ولم يدع لي فرصة حتى لاقول له اشتقتلك.. وبادر فوراً الى القول: انا يا بيي سامع وقاشع كل شي…
البرد قارس على كتف وادي القديسين، السكون يلف المكان والليل اسكن اصوات العصافير.
جلست على الارض لا يفصل بينه وبيني سوى المسافة الى السماء، لكنه كان قريباً جداً، شعرت بدفء قلبه وومضات عقله ونسيم روحه، وصوته الجهوري يكسر الصمت البارد…
كنا بعد كل اجتماع او مباراة او لقاء او عشاء نبقى معاً، وبعد ذهاب الجميع نتحدث لساعات وساعات، نتناقش، نتبادل الاراء، يخبرني بما يضج برأسه وبما في قلبه وابادله بالمثل. نضحك، نحزن، نفرح ولكن كلما شعر انني اطرح اي موضوع بطريقة يائسة كان يبث فيّ المعنويات ويسهب بشرح مستفيض محاولاً اقناعي بالتفاؤل خيراً ودائماً كان ينجح.
وقبل ان نذهب كلّ في طريقه كنا نتفق على الموعد اللاحق وهكذا حتى اللحظة الاخيرة، حين ذهب ولم يطلب مني ان اوافيه…
رحل وكان قاسياً في رحيله، لم يدرك بالاعاصير التي عصفت بقلب روز وعينيها، وماذا حل بلينا وبيار وهادي ومايا والاحفاد السبعة، ماذا حل بالاهل والاصدقاء، وقلما نرى مؤسسة يبكي العاملون فيها على مؤسسها كما بكى غسان وطوني ومحمد وبيار وهنري دون استثناء.
ماذا فعلت، الى اين انت ذاهب؟ ان رحيلك اشبه بسقوط جبل على الرؤوس…
نبكي وجميعنا نلومك على رحيلك.. لماذا ذهبت؟ كيف لك ان تتركنا وتذهب؟ فأنت من عودنا ان تكون دائماً في المقدمة وانت من كان لا يخاف شيئاً وكلنا نتبع خطواتك، انت من كنت ترسم الطريق ونسلكها وراءك آمنين…
ما بالك نزلت عن صهوة حصانك وتركتنا هكذا؟
كيف لك ان ترتاح انت الذي لم يعجبك يوماً ان اليوم اربع وعشرون ساعة؟؟
انت من علّمنا الحياة وان نحيا من اجلها، انت من علمنا ان نتشبث بأرضنا فكيف تتركها؟ انت من قال لنا ان نقبل الآخر كما هو وان نعيش معه، فهل يعقل ان ترحل وحيداً وتترك الآخر؟
لماذا استسلمت وانت المقاوم الصلب…
ماذا فعلت يا رجل، لماذا هذه القسوة وانت طيّب القلب، أوتسمّي هذا عدلاً وميزان عدالتك لا يخطئ..
ألومك، نعم ألومك، فأنا اليتيم من دونك، ووالداي لا يزالان على قيد الحياة…
لقد اعطيتني العديد من القضايا والملفات منها المعلوم ومنها غير المعلوم.. فهل فشلت في احداها لكي تعاقبني؟ نادي الحكمة؟ الرابطة المارونية وانتخاباتها؟ الانتشار المسيحي في العالم؟ اوكسيليا؟ انتخابات 2009؟ مهرجانات الأرز؟ وغيرها الكثير الكثير..
كيف لك ان تفعل هذا وترحل..
ببساطة..
اشتقت اليك..
تركني اتكلم حتى النهاية من دون ان يقاطعني، ينظر الى عيني.. تبسّم وقال: خلصت؟؟ قلت لا، وتابعت. احدهم قال انك ذهبت الى حيث انت لوجود مشكلة ولا احد يستطيع حلها سواك؟؟ عادة ما كنت اكون معك في الحالات المشابهة، فلم لم تأخذني معك هذه المرة؟؟
انت من علمنا الوفاء والصدق والكرم، هل في رحيلك وفاء وصدق وكرم؟؟
انت من طمأنني مرات عدة ان كل شيء على ما يرام فهل جاء رحيلك على ما يرام؟؟
ويحك لما فعلت، ارجو منك ان ترجع وتكفكف دموعنا وتبلسم جراحنا، عد الينا، انزع عنك كفنك وضمنا جميعاً تحت كنفك..
وانهمرت دموعي بصمت كما كل ليلة…
خلص ايلي، خلص. اسمع، افهم كل ما تقوله واعرف ما تشعر به! هكذا بادرني بالقول: كنت دائماً وعندما ابادر الى فعل اي شيء أواجه ومنكم بالتحديد بأسئلة لا تنتهي، وبعد مرور بعض الوقت تفهمون ماذا حصل! صح؟؟
انا لم اذهب لأرتاح، انا حيث انا اقرب الى الله، سأتفرّغ للصلاة والعبادة للخالق، ان العبور الى الموت هو العبور الى الحياة الابدية، وانا الآن احيا من اجلها.. لبنان والارض في صلاتي دائماً وعهدي بكم جميعاً ان تتابعوا وتكملوا ما بدأنا به فإن اكملتم ذلك نحفظ لبنان وأرضه والأهمّ اهله..
اضاف وهو يبتسم: كما قلت لكم سابقاً ان تقبلوا الآخر، نعم وعليكم الآن ان تقبلوني كما انا.. فأنتم انتم وانا هو الآخر..
نعم استسلمت الى الفادي المصلوب في زمن الصوم الكبير. نعم رحيلي وفاء للخالق، وهو الصدق بعينه فلا خلود على الارض، اما كرمي، ألم أقل لكم ما حدا اكرم من الله!
ورحيلي كان على ما يرام، فالوفاء والصدق تجليا بأبهى حلّة يوم رحيلي..
فمن رقصت ودبكت معهم، رقصوا ودبكوا وزغردوا معي يوم رحيلي..
انا باق معكم وبينكم، انا باق عبر روز وبيار ولينا والاحفاد، انا باق من خلال اصدقائي ومن خلال المؤسسات التي ساهمت فيها، فكنت كما البحصة التي تسند الخابية.
• بريزيدان بعدك متل ما انت، متواضع، انت الخابية يا بريزيدان مش البحص.. وكأنه لا يريد ان يسمع.. وتابع.
• وصيتي لكم بسيطة: تابعوا ما بدأنا به.
انا من بينكم كنت الاول الذي رحل، لا تخافوا فالموت حق وحياة ونحن لا نخاف الحق والحياة.
• لكنني اشتقت اليك كثيراً.
• تبسّم وقال: يا صديقي الشوق فعل محبة ولا ضير في ذلك..
ايلي قبل ما انسى، قل لروزا لو تعرف كم تعطيني السيدة العذراء من المحبة والدفء والحنان، لو تعرف روزا كم يحبني شربل قديس لبنان لتحوّلت دموعها دموع فرح.
وساد الصمت وبدأ الفجر ينبلج والشمس تشقّ طريقها على اطراف وادي القديسين..
لم أقل له وداعاً لأنني أيقنت أنني سأعود وألتقي به مجدداً.
نم قرير العين في ظلّ القمم التي أحببت، فنحن على العهد والوعد سنبقى..