هل تفتح المحادثات اللبنانية – السورية باب الخلافات أم التفاهمات؟
مصير "معاهدة الأخوة" يحدد شكل الإستراتيجية الدفاعية
هل يفتح البحث في الاتفاقات المعقودة بين لبنان وسوريا باب الخلافات اذا اصطدمت المصالح السياسية بالمصالح الاقتصادية، أم يفتح باب التفاهم والتعاون الصادقين اذا ما فصلت المصالح السياسية عن المصالح الاقتصادية، بحيث تبنى العلاقات عندئذ بين البلدين على أسس واضحة وثابتة لا تهزها الأمزجة والأهواء وان تبدلت الأنظمة والعهود فيها، ولا تشكّل حتى القطيعة السياسية قطيعة اقتصادية؟
الواقع أن تداخل العوامل السياسية بالعوامل الاقتصادية منذ ان قامت العلاقات بين لبنان وسوريا هو الذي كان يؤثر ولا يزال يؤثر سلباً على العلاقات الاقتصادية، وذلك باستعمال المصالح الاقتصادية ورقة ضاغطة على لبنان لتصويب مواقفه السياسية، كما أن التناقض بين شكل النظامين السياسي والاقتصادي في كلا البلدين هو الذي يحول دون تنفيذ الاتفاقات بينهما عند الدخول في التفاصيل فيبقى معظمها حبراً على ورق او يصير تنفيذه من جانب واحد وان في غير مصلحة الجانب الآخر. والخلاف الظاهر على سطح العلاقات اللبنانية – السورية هو حول "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق"، وهي معاهدة باتت في حاجة الى إعادة نظر لأنها وُضعت زمن الوصاية السورية على لبنان ولم يعد في الامكان تطبيقها كما هي بعد زوال هذه الوصاية. ويكفي التذكير بالمادة الرابعة فيها ونصها: "بعد إقرار الاصلاحات السياسية بصورة دستورية وفقاً لما ورد في الميثاق الوطني اللبناني، وعند انتهاء المهل المحدّدة في الميثاق، تقرر الحكومتان اللبنانية والسورية إعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر حتى خط حمانا – المديرج – عين دارة. واذا دعت الضرورة في نقاط أخرى يتم تحديدها بواسطة لجنة عسكرية لبنانية – سورية مشتركة، كما يتم اتفاق بين الحكومتين يجري بموجبه تحديد حجم القوات السورية ومدة وجودها في المناطق المذكورة أعلاه وتحديد علاقة هذه القوات مع سلطات الدولة اللبنانية في أماكن وجودها".
إن انسحاب القوات السورية من كل لبنان ألغى مبرّر وجود هذه المادة بحيث تعتبر لاغية حكماً.
ونصت المعاهدة في المادة السادسة على "تشكيل أجهزة لتحقيق اهداف هذه المعاهدة، منها المجلس الأعلى اللبناني – السوري الذي يتشكل من رئيسي الجمهورية ورئيسي مجلس النواب ونائبيهما ورئيسي مجلس الوزراء ونائبيهما في كل من الدولتين المتعاقدتين. ويجتمع هذا المجلس مرة كل سنة وعندما تقتضي الضرورة في المكان الذي يتم الاتفاق عليه. ويضع هذا المجلس السياسة العامة للتنسيق والتعاون بين الدولتين في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية وغيرها ويشرف على تنفيذها، كما يعتمد الخطط والقرارات التي تتخذها هيئة المتابعة والتنسيق ولجنة الشؤون الخارجية ولجنة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ولجنة شؤون الدفاع والأمن أو أي لجنة تنشأ في ما بعد، ويحدّد المجلس الأعلى المواضيع التي يحق للجان المختصة اتخاذ قرارات فيها تكتسب الصفة التنفيذية بمجرد صدورها عنها وفقا للنظم والأصول الدستورية في كل من البلدين أو في ما لا يتعارض مع هذه النظم والأصول".
وحدّدت المعاهدة مهمة لجنة شؤون الدفاع والأمن بالآتي: "درس الوسائل الكفيلة بالحفاظ على أمن الدولتين واقتراح التدابير المشتركة للوقوف في وجه أي عدوان او تهديد لأمنهما القومي أو أي اضطرابات تخلّ بالأمن الداخلي لأي من الدولتين (اتفاقية الأمن والدفاع) وتعرض جميع الخطط والتوصيات التي تعدها هذه اللجنة على المجلس الأعلى لاقرارها مع مراعاة الأصول الدستورية في كل من البلدين".
إن الابقاء على هذه المعاهدة بنصوصها الأساسية والجوهرية بعد حذف ما ينبغي حذفه منها انسجاماً مع التطورات الحاصلة منذ عام 2005 يقيم ما يشبه "الاتحاد الكونفدرالي بين لبنان وسوريا، وفي هذه الحال لا يعود للبنان وحده حق تقرير ما يراه في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والعملية وغيرها، بل بالتنسيق والتعاون مع سوريا وفي إطار المجلس الأعلى اللبناني – السوري، وان العبارة التي ادخلت على المعاهدة بطلب من الجانب اللبناني ونصها: "وفقاً للنظم والأصول الدستورية في كل من البلدين" هي في واقع الحال لا تعني شيئاً عندما تكون سوريا في وضع المؤثر والنافذ في لبنان، إذ انها تستطيع ان تأتي بأكثرية وزارية وأكثرية نيابية توافق على ما تريد من القرارات التي تصدر عن المجلس الأعلى. حتى أن النصوص التي تحدثت عن العلاقات الاقتصادية والتي ورد فيها كلام على "التكامل الاقتصادي اللبناني السوري" لا يمكن أن تنفذ على نحو صحيح وسليم بين نظامين مختلفين كالنظام اللبناني والنظام السوري من دون أن يلجأ أحدهما الى تغيير كامل لقوانينه وانظمته وتشريعاته، وهذا أمر لم يحصل من قبل سوريا إلا في حدود ضيقة جداً كي يصبح متلائماً مع النظام اللبناني الاقتصادي والدستوري، إلا اذا كان الرئيس بشار الأسد يعني ما قاله في حديث صحافي وان كان قد عاد وأوضحه بعد ردود الفعل السلبية عليه عندما دعا الى تغيير النظام في لبنان".
ولا يعود أيضاً من حق لبنان وحده وبمفرده بموجب المعاهدة ان يضع "استراتيجية دفاعية" يتلهى بالبحث في وضعها على طاولة الحوار الذي قد يتحول مع الوقت الى شبه حوار مع "الطاولة"… لأن "الاتفاق الأمني والدفاعي" المعقود بين لبنان وسوريا استناداً الى "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق، لا تسمح بذلك اذ نصت على أن المجلس الأعلى اللبناني – السوري هو الذي تعرض عليه جميع الخطط والتوصيات التي تعدها لجنة شؤون الدفاع والأمن والتي "تدرس الوسائل الكفيلة بالحفاظ على أمن الدولتين واقتراح التدابير المشتركة للوقوف في وجه أي عدوان أو تهديد لأمنهما القومي أو أي اضطرابات تخلّ بالأمن الداخلي لأي من الدولتين".
وهذا معناه أن دور سلاح "حزب الله" الذي يتحدّد في إطار الاستراتيجية الدفاعية لا يستطيع لبنان وحده تحديده بل بالاتفاق والتسنيق مع سوريا، وان لا قيمة للجدل بين المتحاورين حول موضوع هذا السلاح، كما لا قيمة لدعوة بعضهم إلى عدم الكلام من الموضوع على طاولة الحوار، وكأنهم تناسوا أن كل المسؤولين اللبنانيين ابلغوا الدول المعنية أن هذا الموضوع هو موضوع لبناني داخلي يعالج بالحوار ولا حاجة للتدخل فيه. وها أن بعض المتحاورين يدعون الى اخراج موضوع السلاح من الحوار ومنع الكلام فيه… وكأنهم ينسون أن هذا الموضوع نصّ عليه القرار 1701 فكيف يؤيدون تطبيق هذا القرار ومن جهة أخرى يتجاهلون ما نص عليه…
لذلك ترى أوساط سياسية أن يبدأ البحث بين الجانبين اللبناني والسوري وعلى مستوى رفيع في موضوع معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق" بين لبنان وسوريا قبل أي موضوع آخر لأن ثمة مواضيع أخرى تتصل بمصير هذه المعاهدة لكي يبنى بعد الاتفاق على مصيرها سلباً أو إيجاباً، على الشيء مقتضاه.
لقد أعلن الرئيس سليمان في حديث الى "النهار" في كانون الثاني 2010: "أن لبنان مقبل على التغيير في اتجاه الأفضل وأننا لا نلبس "قفازات" مع سوريا ونتكامل معها محافظين على مصلحتنا" فهل تكون نتائج المحادثات اللبنانية – السورية التي تبدأ اليوم عند حسن ظن الرئيس أم يفسدها سوء الظن…