تظهر الاحداث والتطورات، مرّة بعد اخرى، أن لبنان ليس منقسماً الى نصفين وحسب في النظرة الى مفهوم السيادة والاستقلال والحرية ومفهوم الدولة.
وليس منقسماً الى نصفين فقط، في مقاربة موضوع الاستراتيجية الدفاعية.
وليس منقسماً الى نصفين لا غير، في الاهداف المستقبلية، واستراتيجية تحديد اي لبنان نريد، واي نظام اصلح للبنان، وهل هو النظام الحالي، او النظام الامني التوتاليتاري، او نظام الفدرالية والكونتونات، او نظام اللامركزية الادارية الموسعة، او التقسيم، بل ان لبنان في ظل هذا الانقسام العامودي، اصبح منقسماً الى نصفين، كل نصف يتكلم لغة لا يفهمها النصف الآخر، وقد يتحوّل لبنان بسبب هذا الانقسام الحاد الى برج بابل جديد يحمل بذور اندثاره وضياعه وزواله في ذاته، خصوصاً اذا تعددت اللغات والالسن بين الناس بحيث لا يعود احد يفهم على احد، كما هو واقع الحال في العديد من الامور التي تطرأ على علاقات اللبنانيين بعضهم مع بعض.
وحتى لا نبقى في العموميات سنسلّط الضوء على بعض الاحداث التي شهدها لبنان مؤخراً.
القي القبض على شاب في سيارة تعود الى النائب القواتي ايلي كيروز، مطلوب الى القضاء بتهمة الاتجار بالحشيشة وبصرف النظر عن الطريقة الهوليودية التي تم فيها القاء القبض، بدأ فريق معيّن يتعامل مع هذه القضية بلغة واسلوب لا علاقة لهما بحقيقة ما حدث، فلا النائب كان موجوداً ولا الحشيشة ايضاً، ولكن هذه اللغة القانونية لم يفهمها هذا الفريق، أو أنه لا يريد ان يفهمها، اذ صوّب حالاً باتجاه حزب القوات اللبنانية ورئىسه الدكتور سمير جعجع، والهدف طبعاً معلوم وليس مجهولاً.
ومؤخرا، وبعد الحادث الذي جرى في مجاهل عيون ارغش، لم يرد الفريق عنه، فريق 8 آذار ومن ضمنه التيار الوطني الحر، ان يفهم ما قاله وزير الدفاع الياس المر، ولا ما اكده المحقق العسكري في قراره الاتهامي، بأن الحادث محصور بأحد النواطير، حيث اطلق في الهواء قذيفة صاروخية لمنع اشخاص من التقدم باتجاه المطاعم المقفلة، واغلب الظن انه لا يعرف من هم هؤلاء، لانه كان على مسافة بعيدة منهم، ولا ارتباط بين هذا الحادث وحزب القوات اللبنانية الذي اتهم بانه يسعى الى «خربطة» العيش المشترك في تلك المنطقة، وبالحضّ على تهجير المسيحيين الى الداخل، كما زعم النائب سليمان فرنجية، ولم تفلح اللغة التي استخدمها المسؤولون في الدولة لتفسير هذا الحادث، ولا اللغة التي خاطب بها حزب القوات الفريق الآخر، لتوضيح حقيقة ما جرى، في افهام اصحاب اللغة الخشبية انهم على خطأ وشطط وسوء نية في ما ذهبوا اليه، وان ما حدث في الحادثين لا يتعدى الاحداث العادية التي تحصل دائماً، لأن الفريق قرر عن سابق تصوّر وتصميم ان يستند في مقاربته للامور على قاعدة «عنزة ولو طارت».
في هذين الحادثين، كان هناك خطابان ولغتان، ومن حسن حظ لبنان، ان اكثرية المواطنين فهمت واستوعبت لغة الحق والواقع، وتجاهلت اللغة الاخرى والخطاب الآخر، لانها وجدت فيهما تجنياً مقصوداً، ونيّة سيئة بحق فريق من اللبنانيين قرر ان يتجاوز الماضي ليبني المستقبل على قاعدة السلام والديموقراطية وقيام الدولة ومؤسساتها.
لم يطل الوقت، ليتأكد زيف ما ذهب اليه البعض في مقاربة الحادثين اللذين سبق ذكرهما، فكان حادث الهجوم «الحضاري» على بلدة مجدليون المسيحية، من قبل قبضايات في بلدة حارة صيدا الشيعية، وما خلفوه وراءهم من تكسير وتخريب واعتداءات وترهيب، وكانت المفاجأة ان بلدية حارة صيدا طلعت ببيان مكتوب حقيقة، بلغة غير مفهومة، اذ اعتبرت ما جرى لا يخرج عن كونه حادثاً عادياً يحصل بين جارين.
هكذا بكل بساطة اعتبرت البلدية ان قيام اكثر من عشرين شاباً مدججين باسلحة حادة بالهجوم على قرية آمنة وتحطيم المحال والسيارات والبيوت والاعتداء على السكان بأنه حادث عادي وطبيعي، ونسيت ان خلاف ولدين في بيت مري على «لعب الكلّة» احدهما مسيحي والآخر درزي، فجّر في ما بعد فتنة 1860.
بعد هذا الحادث الخطير بيومين او ثلاثة وقع اعتداء لا يقل عنه خطورة، عندما تصدّى مسلحون في حي الشراونة في بعلبك لقوة من الجيش وجرحوا ضابطاً واربعة جنود واحرقوا آليتين، والكل يعرف من يسيطر على حارة صيدا، وعلى بعلبك وعلى حي الشراونة، والكل يعرف ان الاعتداءين الاخيرين اسقطا جرحى مدنيين وعكسريين، في حين ان الحادثين الاولين لم يتسببا بايذاء احد على الاطلاق، فصحّ في هذه الاحداث المثل الذي يقول: قتل امرىء في غابة جريمة لا تغتفر، وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر.