حرية إبداء الرأي أولى الذبائح على مصاطب السلاح المكدس
المحامي جورح يوسف فيعاني
بعد أن عَلَت بعض الأصوات على طاولة الحوار الوطني في جولتها الأخيرة، وقبيل انعقادها، تطالب بعدم الكلام خارجها عن سلاح "حزب الله" وتهدد بالإنسحاب في حال عدم إلتزام الأفرقاء بهذا المطلب، وعند هذا الحد، وقبل الإنقياد – وكما في الأنظمة الديكتاتورية والظلامية- بمسار تقويض الحريات العامة وفي مقدمتها حرية إبداء الرأي والتعبير، يتوجب تذكير المتهورين والمندفعين بهذا الإتجاه بما يأتي:
*إن حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة ما زالت والحمد لله مصانة في الدستور اللبناني.
حيث تفيد الفقرة "ج" من مقدمة الدستور بأن:
" لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد …"
كما تفيد المادة 13 من الدستور بأن:
"حرية إبداء الرأي قولا وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون".
*إن كل ما يتفوه به كائنٌ من كان، وكل رأي يقول بضرورة منع أو تقويض أو وضع شروط غير قانونية أوغير دستورية على حق إبداء الرأي بأي موضوع يثار على الساحة السياسية، هو بذاته رأيٌ وعملٌ غير دستوري يوجب محاسبة من يقوم أو يشجع على القيام به.
والعجب كل العجب أن هذه المطالبة قد أتت من نواب في البرلمان اللبناني ورؤساء كتل فيه، يتبجحون ليل نهار، منتفخي الصدر بأنهم المدافعين عن الحريات في لبنان، وأنهم المصلحين لكل اعوجاج.
ففرضاً، أن قانونا ً صدر عن مجلس النواب اللبناني، قضى بمنع إبداء الرأي بشأن سلاح "حزب الله" خارج طاولة الحوار، فإن هذا القانون بذاته سيقع مخالفاً للدستور اللبناني كما أشرنا أعلاه ويكون مصيره حكماً الإبطال من قبل المجلس الدستوري، فيرمى في سلة المهملات.
*إن الموقف السويّ والمتآلف مع علة وجود لبنان يجب أن يكون بالتهديد بالإنسحاب من طاولة الحوار إذا ما إستمرت المطالبة بخرق الدستور اللبناني من بعضهم عبر مطالبة هؤلاء والتهديد بوجوب عدم إبداء الرأي بشأن سلاح "حزب الله" خارج طاولة الحوار، ويجب أن تتم محاسبة أصحاب هذه المطالبة غير الدستورية إن سياسياً أو قضائيا ً وذلك بسبب قيام هؤلاء بالتحريض على خرق الدستور اللبناني والعمل بما يناقض وبعكس ما يقول به هذا الدستور.
والخشية الحقيقية تبقى، أن يكون قد بدأ العمل في لبنان بمقولة إن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وأن تكون أولى تطبيقات هذه المقولة، المس بحرية إبداء الرأي ومحاولة تقويضها وفرض شروط غير قانونية وغير دستورية على ممارستها، وأن تكون حرية التعبير أولى الذبائح المقدمة على مصاطب آلهة السلاح المكدس، المقدس بأذهان بعضهم، التي بدأت تعلو، في لبنان، من دون أن ترتفع.