يسيل حبر كثير حول الاستراتيجية الدفاعية التي تطرح على طاولة الحوار في قصر بعبدا. ويسيل حبر اكثر حول الاولويات التي ينبغي اتباع تسلسلها من البحث في هذه الاستراتيجة مع تغييب موضوع السلاح، الى البحث في العلاقة بين "المقاومة" والجيش تنسيقا. ويصل الامر الى طرح مواضيع "فلسفية" كتحديد مفهوم العمالة في لبنان. ولعل المفارقة ان يكون موضوع في مثل اهمية استراتيجة الدفاع الوطني ممنوعا من ان يطرح على الرأي العام اللبناني، وخصوصا ان كل لبناني معني به باعتباره يمس حاضر البلاد ومستقبلها.
ثمة في لبنان من يرى ان البحث يجب ان يقتصر على الغرف المغلقة. وثمة من يذهب الى حد المطالبة بمنع الحديث عن الشق المتعلق بالسلاح حتى في الغرف المغلقة. وثمة من يربط الحديث عن السلاح بالتحريض المذهبي والطائفي بما يجعل المطالبة بعدم الخوض فيه وصولا الى منع الخوض فيه هدفا "نبيلا" لا بل "وطنيا". ولا ننسى كل المواقف التي تعتبر ان مجرد النظر ولو من بعيد الى السلاح خارج الشرعية يرقى الى مصاف الخيانة والامركة والاسرلة!
في لبنان بحث في استراتيجية الدفاع لان ثمة سلاحاً خارج الشرعية لا يأتمر بالدولة مصادرا قرار الحرب والسلم بحيث يمكن ان يورط البلاد برمتها في حروب لا تنتهي. فتجربة حرب تموز 2006 لا تزال ماثلة في الاذهان وكيف جرى توريط لبنان في حرب مدمرة دفع ثمنها كل اللبنانيين بلا تمييز. ولعل العودة الى محاضر اجتماعات الحوار الوطني في نسختها الاولى اي بين آذار وحزيران 2006 تبين ان السلاح كان على طاولة البحث وليس استراتيجية الدفاع في جانبها النظري الاكاديمي الذي بلغته اليوم. وقد طرحت مسألة الاستراتيجية الدفاعية كمخرج لائق للولوج الى موضوع السلاح غير الشرعي الذي كان ولا يزال حتى كتابة هذه السطور سلاحا متفلتا من كل محاسبة ورقابة، فضلا عن كونه فئويا ومرتبطا ارتباطا عضويا لا فكاك منه بأجندة خارجية تتقدم كل اعتبار لبناني. وكان اجتماع دمشق الثلاثي قبل اسابيع آخر صورة امينة عما نقدم.
في مطلق الاحوال، ومن اجل تجنّب الغرق في التكاذب الوطني المعتاد وقول الامور كما هي، يفترض التطرق الى موضوع السلاح ليس في اطار البحث الاكاديمي الراهن وموضوعه استراتيجية الدفاع، بل باعتباره خطراً دائماً على قسم كبير من اللبنانيين في الاطار الداخلي. فإذا كان السلاح خطرا على سلامة الوطن بسبب قدرته التوريطية الهائلة واستتباعه لاجندة خارجية لا تقيم وزنا لمصالح لبنان ورغبات غالبية اهله، فإن السلاح خارج الشرعية بواقعه الراهن يمثل تهديدا لامن المواطنين الخاص والعام، ويمثل تهديدا دائما للصيغة والنظام والحريات اذ لم يمر يوم لم يستخدم اما مباشرة او مواربة جهارا او سرا بغية احداث تغيير منهجي التوازنات. ان السكوت عما يحصل خطأ كبير، وكلما سكت المؤتمنون على الديموقراطية والحرية والسيادة والاستقلال اينما وقفوا اليوم فإن المنحى الانحداري للكيان اللبناني لن يوقفه شيء.
في 7 ايار 2008 كان العامل الاهم إماطة اللثام عن وجه السلاح فبانت حقيقة انه موجه نحو الداخل اكثر منه نحو الحدود. وجهته الجديدة بعد التورط في كارثة تموز 2006 الاستيلاء على السلطة في لبنان. واذا تعذر حكم البلاد فالتحكم بها على نحو ما يحصل اليوم. في 7 ايار 2008 سقط لبنانيون بسلاح من خارج الشرعية ولم يحاسب احد. لم يكن الموضوع استراتيجية الدفاع. وفي المرحلة التي تلت كان تعديلٌ في قوانين اللعبة السياسية وفي الموازين في ظل المسدس والبندقية، ولم يتوقف الامر. فمن ذا الذي يمكنه الخروج على الناس نافيا ان تكون عاصمة لبنان مدينة محتلة من الناحية العملية ويثبت ذلك؟ ومن في امكانه ان ينفي حقيقة ان مناطق بأسرها محاصرة بطريقة امنية عسكرية وهي بعيدة عن خطوط المواجهة مع اسرائيل ويثبت ذلك ايضا؟
ان موضوع الخلاف الحقيقي في البلاد اليوم هو موضوع السلاح خارج الشرعية. والبحث في استراتيجة الدفاع لا يكفي، لأن المطلوب اخلاء المدن والقرى والاحياء، جبلاً وساحلاً من هذا السلاح، الذي خرج مرة وسيخرج مرات ومرات اخرى. و المطلوب ايضا اخراجه عاملا من عوامل التهديد والبلطجة السياسية، او منعه من ان يكون عنصراً ناسفاً لتوازنات لبنان ولصيغته ونظامه. هذه هي مسؤولية القادة الاستقلاليين: ان يبقوا الضوء مسلطاً على الخطر الداهم داخليا.