بعد وضعها بين خيارَي النظام التوافقي أو النظام الشمولي
هل تدخل المنطقة مرحلة التفكّك التي تعمل لها إسرائيل؟
هل يمكن القول ان المنطقة دخلت مرحلة التفكك التي تعمل اسرائيل جاهدة، ومنذ قيامها، على بلوغها وذلك باثارة الانقسامات المذهبية والعرقية ووضع الدول فيها بين خيارين: اما اعتماد النظام التوافقي الذي يحقق تمثيل كل المذاهب بحيث يقيم شكلا من اشكال "كونفيديرالية الطوائف"، وإما اعتماد النظام الشمولي، ملكيا كان ام عسكريا ام حزبيا ام دينيا.
لقد كان لبنان الدولة الديموقراطية المميزة في المنطقة وذلك بممارسته النظام الذي تحكم بموجبه الاكثرية المنبثقة من انتخابات حرة نزيهة واقلية تعارض وتحاسب حكم هذه الاكثرية التي قد تتحول اقلية اذا شاءت ارادة الشعب ذلك في الانتخابات. لكن هذا النظام اخذ بالتراجع امام الاحزاب المذهبية التي بدأت تفرض اعتماد النظام التوافقي الذي ينبغي ان تتمثل فيه كل المذاهب والقوى السياسية الاساسية في البلاد في الاكثرية والاقلية معا، وهو نظام اثبت تطبيقه الى الآن فشله لانه يلغي دور مجلس النواب في المساءلة والمحاسبة ويجعل الحكومة عاجزة عن اتخاذ القرارات في المواضيع المهمة، ليس بالاكثرية العادية او باكثرية الثلثين بل بشبه اجماع والا تعذر اتخاذها. وعندئذ تجد الحكومة نفسها بين خطرين: خطر الاستقالة وخطر الشلل. وها ان عدوى هذا النظام الفاشل تكاد تنتقل الى العراق بدوافع حزبية ومذهبية بقول لائحة علاوي: "ان الديموقراطية في العراق باتت مهددة". وباعتماد هذا النظام تتعرض دول المنطقة للتقسيم ولقيام دويلات عرقية ومذهبية، وهو ما تظهر ملامحه في العراق وفي السودان واليمن وربما في لبنان اذا لم يعد الى اعتماد النظام الديموقراطي العددي والتعددي انقاذا لوحدته الوطنية والعيش المشترك بين كل ابنائه، وانه اذا لم يبعد عنه نهائيا خطر التوطين المخالف لنص واضح وصريح في مقدمة الدستور وفيه: "لا فرز للشعب على اساس اي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". لذلك فان لبنان يصبح معرضا لخطر التجزئة والتقسيم اذا حصل التوطين.
وخطر المذهبية الذي يهدد عددا من دول المنطقة قد يهدد ايضا دولا تحكمها حاليا انظمة ملكية او عسكرية او حزبية عقائدية او دينية وهي قادرة حتى الآن على ضبط الصراعات فيها على اختلافها بالشدة حينا وبالقمع حينا آخر. ومع قيام دويلات مذهبية وعرقية في المنطقة يصير في امكان اسرائيل اقامة "الدولة اليهودية" المرفوضة، وهذا معناه ان دول المنطقة تواجه احد خيارين: اما اعتماد النظام التوافقي، واما اعتماد النظام الشمولي لان لا مجال لاعتماد النظام الديموقراطي في ظل المذهبية والطائفية والا تفككت المنطقة وقامت فيها دول عرقية ومذهبية. ولتفادي ذلك لا بد، عاجلا او آجلا، من اعتماد النظام الديموقراطي في لبنان والمنطقة بحيث تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، كونه النظام الافضل والاصلح الذي تعتمده دول متحضرة وراقية ويحول دون اعطاء اسرائيل مبرر اقامة "دولة يهودية" عرقية.
وكان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قد قال لصحافي اجنبي، ان الاميركيين يريدون تقسيم العراق ولبنان وسوريا دويلات طائفية. ويرى محللون ان التقسيم في الاساس هو بدعة صهيونية وضعها مستشار الرئيس الاميركي الاميركي هاري ترومان لتقسيم المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ووجد وزير الخارجية الاميركي سابقا هنري كيسينجر في هذه النظرية الحلول التي يريدها وراح يعمل على تفتيت الدول التي يعتبر انها تشكل نواة لصدام الجبارين وتحولت هذه النظرية مبدأ اقرته الامم المتحدة في فلسطين وفي كوريا وسابقا في المانيا وفيتنام وقبرص.
وكان كيسينجر قد صرح آنذاك لوسائل اعلام عالمية قائلا: "اذا نظرنا الى خريطة اوروبا وآسيا بدءا بعام 1910 الى عام 1930 وليس انتهاء بعام 1950، نجد باستمرار انتقال حدود وظهور دول جديدة واختفاء معالم دول اخرى لان عالمنا يضم دولا في هذا القرن لا تختلف من ناحية الفوضى وعدم الاستقرار عن الدول التي كانت معروفة في المدن الرومانية واليونانية". والعميد الراحل ريمون اده الذي كان يراقب تطورات الموقف الدولي حيال منطقة الشرق الاوسط، بدا غير مرتاح الى خطط كيسينجر والى معالم المستقبل لانه كان يشك دائما في وجود يالطا جديدة، وكان اول من حذر من القبرصة وتقسيم المنطقة من لبنان الى العراق، وكان يستند في خوفه الى خريطة تفصيلية حصل عليها في باريس وجعلته يقول للبطريرك خريش: "هل تعلم ان بلدتك عين ابل في الجنوب ستكون خارج الدولة المسيحية المقترحة؟".
لكن اقوال العميد اده لم تؤخذ يومها على محمل الجد واعتبرت معلوماته عن خلق دويلات طائفية في المنطقة غير واقعية.
وفي كتاب المؤرخ عادل اسماعيل تسليط للضوء على مخاطر التقسيم والدويلات الطائفية تعززه وثائق ومستندات ومراسلات منذ 1840 بحيث يتبين ان التقسيم كان منذ اكثر من 150 عاما مشروع فتنة بين اللبنانيين. فمن مشاريع تقسيم جبل لبنان دويلات طائفية الى عودة المطالبة بالتقسيم في مؤتمر الصلح (1919 – 1920)، الى المطالبة بالتقسيم في مداولات معاهدة 1936 ولدى مؤتمر سان فرنسيسكو عام 1945، واخيرا وليس آخرا، الى مشاريع التقسيم في عهدي الانتداب والاستقلال. ففي عام 1840 طالب قنصل فرنسا بانشاء الامارة المسيحية على اثر الثورة ضد ابرهيم باشا وحليفه الامير بشير الثاني تكون مرتبطة عضويا بفرنسا، لكن هذه الدعوة لم تلق قبولا. وجاء في الكتاب فقرة من خطاب للرئيس الراحل الياس سركيس بعيد انتخابه جاء فيها: "هل تعرفون ماذا يعني التقسيم؟ انه يعني زوال لبنان وجعل اللبنانيين في بلدان الاغتراب لاجئين وبلا هوية، ويعني تهجير الكثير من المسيحيين من المناطق الاسلامية في لبنان وتهجير المسلمين من المناطق المسيحية".
وفي كتاب لعماد حمدان تحت عنوان "مثلث الخطر" عرض فيه ثلاثة اخطار تهدد لبنان والعالم العربي بتحويلها من دويلات متعايشة الى كيانات متصارعة هي: "النظام الدولي الجديد والمشروع الصهيوني – الاميركي، وايران التي تسعى الى وراثة النظام العربي بعد سقوطه دولا وانظمة في مخططات التفتيت ونشر الفوضى الشاملة لتسهيل عملية تشكيل كيانات جديدة على حساب الكيانات السياسية القائمة، وان المشروع الصهيوني يستفيد من هذه الفوضى الشاملة ويعمل على تفتيت البلدان العربية طائفيا ومذهبيا واتنيا وقبليا ومناطقيا، وتستفيد ايران ايضا من اجل وراثة النظام الرسمي العربي الذي قربت نهايته". لذلك يرى الكاتب ان على العرب "مواجهة اوضاعهم الصعبة جدا باتخاذ قرارات مصيرية، سواء وطنية او قومية، ببناء اوسع تحالف شعبي يضم السلطة الوطنية والمؤسسات الدينية والقوى الشعبية والنخب الثقافية".
وللكاتب الصحافي محمد السماك سلسلة مقالات عن مشروع اسرائيلي لتقسيم العالم العربي جاء فيها: "ان الجنرال ارييل شارون القى في صيف 1980 وكان وزيرا للدفاع، محاضرة في مركز الدراسات العسكرية حول نظرة اسرائيل الى العالم العربي وكيفية التعامل معه في المستقبل جاء فيها: "ان اسرائيل تصل بمجالها الجوي الى اطراف الاتحاد السوفياتي شمالا والصين شرقا وافريقيا الوسطى جنوبا والمغرب العربي غربا. وهذا المجال عبارة عن مجموعات قومية واتنية ومذهبية متناحرة. ففي باكستان شعب "البلوش"، وفي ايران يتنازع على السلطة كل من الشيعة والاكراد، وفي تركيا الاكراد والمسألة الارمنية، وفي العراق صراع بين السنة والشيعة والاكراد، في حين تواجه سوريا مشكلة الصراع السني – العلوي، ولبنان مقسوم على عدد من الطوائف المتناحرة، والاردن مجال خصب لصراع من نوع فلسطيني – بدوي، كذلك في الامارات العربية وسواحل المملكة العربية السعودية الشرقية حيث يكثر الشيعة من ذوي الاصول الايرانية، وفي مصر جو من العداء بين المسلمين والاقباط، وفي السودان حالة مستمرة من الصراع بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي – الوثني، اما في المغرب فالهوة ما بين العرب والبربر قابلة للاتساع".
وفي دراسة حول "استراتيجية اسرائيل في الثمانينات" تتناول تفاصيل محددة حول البرنامج التفتيتي الذي تعمل اسرائيل على تنفيذه في العالم العربي. وجاء في الدراسة "أن العالم العربي لا يستطيع البقاء ببنيته الحالية من دون تقلبات فعلية، فهذا العالم مبني مثل برج ورقي موقت شيده الاجانب في العشرينات، فقسّم 19 دولة كلها مكونات من تجمعات من الاقليات والطوائف المختلفة التي يناصب بعضها البعض العداء، وهكذا فان كل دولة عربية او اسلامية تتعرض لخطر التفتيت الاتني – الاجتماعي في الداخل الى درجة ان بعضها تدور فيه حروب اهلية". ويرى الكاتب السماك "ان التقسيم توجّه الآن الى العراق، وتعتبر اسرائيل ان ما فشلت في تحقيقه حتى الآن في لبنان، يمكن تحقيقه في العراق ومن خلال العراق في المنطقة العربية كلها، وقد وصفت الدراسة العراق بانه بوابة عريضة لمشروع تجزئة المنطقة العربية، وهذا المشروع هو الذي يحقق الامن الاستراتيجي لاسرائيل، وليس اتفاقات او حتى معاهدات التسوية والسلام".