اللبناني يُحب الزعامة حتى لو كان عضواً في بلدية، ويحب الوجاهة حتى لو كان مختاراً. كان يُقال إن العيش في المدينة يجعل المرء يتحرر نسبياً من قيوده العائلية والعشائرية وتصير المعايير عنده مستندة إلى الإعتبارات الأكاديمية والمؤسساتية، لكن في لحظة معينة (تستيقظ الخلايا النائمة في غريزته) فتتقدَّم الإعتبارات العائلية لديه ويصبح الحزب والتيار وحتى الطائفة، في خدمة العائلة من أجل ملء مقعد بلدي هو في نهاية المطاف منصب محلي لمتابعة أوضاع القرية والإعتناء بشؤونها.
* * *
يحاول المتابع والمراقب أن (يهرب) من الملف البلدي فيلحق به، صحيح ان هناك ملفات أكثر أهمية لكنها في هذه الأيام لا تتقدَّم على الملف البلدي والإختياري، وعبثاً يحاول أحدٌ اقناع أحدٍ ان المنافسة هي على الإنماء والنهوض بالقرى والبلدات والمدن، فيندر أن يتقدَّم أحد المرشحين ببرنامج إنمائي، وحتى لو أقدم على هذه الخطوة فمَن يُعطي المصداقية لِما يقوله ولما يوزعه؟
المهم ان تمضي الإنتخابات البلدية والإختيارية بأقل خسائر ممكنة، فحتى الآن لم تندمل (الجروح السياسية) للإنتخابات النيابية التي جرت منذ عام، وستُضاف إليها هذه السنة (الجروح البلدية والإختيارية).
لكن ماذا بعد؟
هذا الشهر والشهر الذي يليه مليئان بالإستحقاقات. يجب أن تنصب الجهود على الموازنة العامة لأنها (المحرك الأساسي) الذي يُحرِّك البلد على كل المستويات، كما ان ملف العلاقات اللبنانية – السورية بدأ يخطو خطوات ثابتة في اتجاه تشذيبه من الشوائب، أما في الشق العربي والإقليمي فإن المطلوب المتابعة الدقيقة للتوتر القائم على خلفية الإدعاءات الإسرائيلية بأن سوريا زودت (حزب الله) بصواريخ (سكود)، على رغم نفي وزير الخارجية السوري وليد المعلم هذا الأمر، وهذه المتابعة ضرورية لأن ترجمة التوتر في المنطقة غالباً ما تكون في لبنان، وهذا ما يجب التنبُّه إليه خصوصاً ان التهديدات تتزامن مع التحضيرات لموسم السياحة والإصطياف، فإذا لم يتم إجراء تحرك ديبلوماسي لإيجاد حماية ومناعة للبنان فإن أي تهاون من شأنه أن يصيب هذا الموسم، مع ما يعني ذلك من وضعه في دائرة الخطر.
* * *
ان الإحاطة بهذه الملفات هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق السلطتين التنفيذية والتشريعية وعلى عاتق المجتمع في آن واحد، فالجميع معنيون بتحمُّل المسؤولية، والجميع يُفتَرَض فيهم أن يتأكدوا ان النهوض هو مسؤولية مشتركة لا يجوز لأحد أن يعتبر نفسه انه معفيٌّ منها.
* * *
إذا تمت مقاربة الملفات وفق هذه المعايير فإن بالإمكان القول إن لبنان في هذه الحال يمكنه تجاوز كل القطوعات، أما إذا بقيت المشاحنات على خلفية الإنتخابات البلدية فسيصحو البلد يوماً ويجد نفسه غارقاً في خلافٍ على عضو بلدي.