ايام الحرب الأليمة التي عصفت بلبنان منذ 1975 كانت مقولة "اتفقنا على ان لا نتفق" تسري على الشفاه والصحف والاحاديث كتعبير عن عدم نضج الحلول للازمة من الداخل – بانتظار قرار المايسترو الخارجي بتسوية ما – واليوم نستطيع القول ان طاولة الحوار خرجت بمعادلة جديدة قديمة "الاتفاق على الحوار اللاحوار" او على ان نتحاور للتحاور في ظل الممنوعات واللاءات التي يضعها الفريق المفترض به ان يكون الاكثر اهتماما بموضوع الحوار الاساسي الا وهو "حزب الله".
فالمشكلة مع اعضاء "حزب الله" انهم باتوا خارج اجواء مخاوف وهواجس وتساؤلات اللبنانيين لا بل باتوا خارج نطاق ما يهم لبنان وحده. واكدت الوثيقة السياسية الاخيرة للحزب هذا التخطي للحدود اللبنانية في فكر وعقيدة الحزب لتقارب فلسفة وجوده حدود الكونية ودعم كل حركات تحرر على طريقة واسلوب المقاوم الشهير "شي غفارا".
ففي هذه الحالات نسأل ويسأل معنا سائل: الى اي حد باتت طاولة الحوار تهم "حزب الله" ؟ بل الى اي حد باتت طاولة الحوار طاولة انتاج حلول بعد ان اصبحت او تكاد طاولة انتاج ازمة اضافية الى ازمات البلد الاخرى المتعددة ؟
بالنسبة الينا كان واضحا منذ طاولة الحوار الاولى في مجلس النواب أنّ "الحزب" لا يعتبرها اكثر من مساحة تلاقٍ وعلاقات عامة ليس الا – وقد اشار النائب محمد رعد في الجلسة الاخيرة لطاولة الحوار إلى ان حضور "الحزب" ليس الا كي لا يقال ان "الحزب" لا يريد الحوار والمشاركة في بحث الاستراتيجية الدفاعية – ما يعني في المفهوم السياسي ان "الحزب" يعتبر حضوره من باب اللياقات و"مراعاة الخواطر " اكثر مما يعتبره اساسا لبت ملف شائك ومصيري.
وفي هذا السياق نتوقف عند الاتي:
اولا : ان الحزب يعتبر أنّ الاوراق التي قدمت الى الآن من فرقاء الحوار ليست سوى اوراق سياسية اكثر منها اوراق استراتيجية امنية عسكرية – ما يؤكد أنّ نظرة "حزب الله" الى الاستراتيجية ليست سياسية – وقد اكد رعد ذلك عقب الطاولة منذ ايام عندما اشار الى ان "الحزب" سيقدم ايضا ورقة بافكاره ومواقفه السياسية – متهما الفرقاء الاخرين بتقديم اوراق سياسية تجدد مواقفهم المعروفة.
فـ"الحزب" يريد الانطلاق في الحوار من نقطة البند السادس من البيان الوزاري للحكومة الاخيرة – اي من فكرة التزاوج بين الجيش والشعب والمقاومة – ولن يرضى بادنى من هذا السقف بديلا.
ثانيا: ان المحظورات التي يفرضها "الحزب" وحلفاؤه على طاولة الحوار وآخرها التهديد بالانسحاب منها في حال فتح موضوع السلاح – من عون او رعد او سواهما من حلفاء لهم – باتت تطرح اكثر من علامة استفهام حول حقيقة نيّات فريق "8 اذار" في بحث موضوع الاستراتيجية الدفاعية – اذ ان الخبراء العسكريين والاستراتيجيين كافة يجمعون على استحالة بحث اي استراتيجية دفاع بمعزل عن بحث وظيفة ودور وتنظيم وضبط سلاح "حزب الله".
فـ"حزب الله" يحاصر رئيس الجمهورية من خلال جعله اسير مواقفه المعلنة وليس اقلها انه يحمي المقاومة برموش العين – ما اعطى "حزب الله" سلاحا فتاكا ضد الرئيس بتذكيره بموقفه هذا كلما لاحظ الحزب "شطحة " رئاسية من السلاح او المقاومة كما حصل اخيرا على خلفية الهجمة الوهابية ( نسبة لوئام وهاب ) عليه لانه تجرأ على طرح فكرة استراتيجة صحيحة بشأن دور المقاومة عند عجز الجيش عن الصمود والتصدي …
و"حزب الله" يحاصر الحكومة من خلال البند السادس من بيانها الوزاري ومن خلال اجواء الانفتاح "المفرط " التي يبديها فريق الاكثرية داخل الحكومة وخارجها على سوريا والمقاومة – ما يدفع بفريق "8 اذار" وبخاصة "الحزب" الى التقليل من اي مطالبة بضبط السلاح وبحثه والدليل ما تفضل به بالامس القريب نائب الامين العام الشيخ نعيم قاسم باعتباره ان قلة لا وزن لها لا تزال ضد السلاح … فهم يوظفون كل موقف بذكاء لمصلحتهم فيما نحن لا نزال نبرز امومتنا وابوتنا للمصلحة الوطنية العامة وبناء عليهما نهادن وننفتح ونتوافق ونفاوض ونذهب الى سوريا …
الخلاصة واضحة لكل من يريد ان يرى ويفهم: ان الحوار هو من اجل تقطيع الوقت وهو حوار اللاحوار – لان "حزب الله" لم يعد مالكا لزمام قراراته الاستراتيجية التي باتت في مكان اخر خارج الحدود اللبنانية فكيف يستطيع ان يفاوض ويقبل ويوافق على استراتيجية دفاعية من اجل لبنان فقط ؟
انه لب المأزق الذي نواجهه اليوم في الحوار وفي كافة الاجواء الانفتاحية كافة مأزق يحاول بعضنا الهروب به ومنه الى الامام حيث لا ينفع تجاهله الحقيقة والواقع ونحن كلنا لا نعلم في اي وقت ينفجر صاعق في المنطقة يودي بوحدتنا الوطنية الهشة ومظاهر انفتاحنا الى الجحيم …
فأخشى ما نخشاه ان تكون تمثيلية الحوار وصلت الى خواتيمها وقد كشف الدكتور سمير جعجع حقيقة النيات لدى "حزب الله" وفريق "8 اذار" على طاولة الحوار الاخيرة في بعبدا – والتي ايده في ما قاله جميع الحلفاء منهم خفتا ووشوشة ومنهم علنا ومنهم من بات يتبنى في صميمه من دون ان تكون له جرأة البوح …
فهذا هو قدرنا في "القوات اللبنانية" ان نكون دائما في طليعة المواجهين وصوت من لا يجرؤ على الكلام … بالاذن من بعض الحلفاء انما الحقيقة يجب ان تقال …