باستحقاق وجدارة، كان يوم الاثنين يوماً لبنانيّاً سوريّاً طويلاً، نادراً ما عرفت شبيهاً له العلاقات الثنائية بين البلدين حتى خلال الحقبة الذهبيَّة التي أعقبت مرحلة نيل البلدين استقلالهما.
وكان كذلك يوماً متقاطعاً بين وفد لبناني كبير تستقبله دمشق بحفاوة لافتة، واستقبال حاشد في بيروت تلبية لدعوة السفير السوري، ومشاركة لسوريا في مناسبة الذكرى الرابعة والستّين للجلاء.
لم يسبق في تاريخ العلاقات بين لبنان وسوريا أن عرف البلدان حركتين متوازيتين ومعبٍّرتين، على المستوى السياسي على الاقل، كمثل ما حفل به يوم الاثنين على خطين متوازيين.
كأنما هذه العلاقات لم تشهد ولم تعش تلك السنوات الصعبة، وتلك المواجهات والسجالات والمقاطعات، سواء مباشرة أم بالنيابة والوكالة. وعَبْر كل وسائل الاعلام.
وعَبْر البيانات، والخطب، والتصريحات والأحاديث المكتوبة والمرئيَّة.
وكأنما ذلك كله لم يحصل ولم تسمع به العاصمتان، ولم يعان منه لبنان، تحديداً، ما يُسمّى ويوصف عادة بالأمرّين.
هذا الانتقال، وبهذه الحماسة والايجابيَّة، مرغوب فيه حتماً في البلدين. وعلى مستوى المنطقة العربية. وحتى على مستوى المجتمع الدولي الذي اقلقته طويلاً حال التأزُّم التي استحكمت واشتدت بين هنا وهناك.
وكأنما كل ما حدث كان من صنع أمس بعيد. وكأنما ألف سنة في عينك يا رب كأمس الذي عبر.
وهذا التبدُّل الذي بدا طبيعيّاً وموضع ترحيب، يدل في أبعاده ومؤشٍّراته على أن ما يجمع لبنان وسوريا هو أكثر بكثير مما يفرقّهما. بل أقوى وأعرق بكثير. من هنا التركيز على ان المهمة لم تعد مستحيلة، اذا صدقت العزائم والنيات. وليس ما يمنعها من ان تكون صادقة.
من هنا كان قول القائلين إن على اللبنانيين والسوريين أن يدركوا هذه الحقائق التاريخيّة، وأن يلجأ المسؤولون في بيروت ودمشق الى الحوار والمناقشة، والبحث عن الحلول والمخارج لما يعترض هذه العلاقات، لا أن يلجأوا الى لغة العداء، وتبادل التراشق بما لا يخدم المصالح المشتركة، وبما لا يليق ببلدين تفصل بينهما "واو" قبل الحدود.
ما حصل إثر الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس سعد الحريري للرئيس بشار الأسد، وما حفلت به بيروت ودمشق أمس، يقول بالفم الملآن للمسؤولين اللبنانيين والمسؤولين السوريين، وللشعبين معاً، إن في الامكان التأسيس على مضمونه لترسيخ العلاقات، وتثمير الايجابيات الكثيرة والرغبات الصادقة عَبْر الصفحة الجديدة.
وليس ما يحول دون الانتقال من مناخ سلبي الى مناخ بنّاء. ومن مرحلة الخلاف الحاد والمؤذي الى مرحلة "تطبيع" العلاقات برويّة وحسن نيَّة. وجعلها أخوية حقاً، ومميزة حقاً، وقائمة على أسس وطيدة معززة بالاحترام المتبادل لمصالح البلدين وسيادتهما.
أضعف الايمان، وأقل ما يُقال في ضوء ذلك كله، إنه بات في مقدور اللبنانيين والسوريين التطلّع معاً الى مرحلة جديدة، وصفحة جديدة، ونظرة جديدة، ولغة جديدة، وعقلية جديدة. وبأسلوب جديد ايضاً.
ومَنْ حقّق هذا الانجاز الضخم لا يعجز عن اكمال الشوط.