عندما تشمل "الاستراتيجية الدفاعية" الخارجية والتربية والمياه ويستبعد منها السلاح
النقاش ليس تحريضاً بالضرورة
تطالب قوى 8 آذار اللبنانيين باثنتين: "حصر" نقاش الإستراتيجية الدفاعية بطاولة الحوار وحدها، و"حصر" النقاش على طاولة الحوار بجوانب من الإستراتيجية الدفاعية دون العبور من خلالها إلى طرح السؤال حول طبيعة وشرعية وحاضر ومستقبل "سلاح حزب الله". هذا مع مفارقة أنّ قوى 8 آذار تعتمد في الوقت نفسه مفهوماً فضفاضاً لـ"الإستراتيجية الدفاعية" بحيث تشمل مباحث السياسة الخارجية والتربية والثقافة والمياه والطاقة والبيئة والصحة والسياحة.. والغاء الطائفية السياسية، لكنها لا تشمل الخوض في السلاح!
وهذه المفارقة هي غيضٌ من فيض يشي بأنّ قوى 8 آذار تعمل بثبات لإضفاء الطابع الرسميّ على"سلاح حزب الله" لا بوصفه "مقاومة" وإنّما بوصفه "جيشاً نظاميّاً بديلاً"، ومؤسسة قائمة بذاتها من مؤسسات الدولة اللبنانية. إذّاك فقط يصير مبرّراً القول بنظرية "الحَصْرَين" للإستراتيجية الدفاعية، لأنّ موضوعها لا يكون حينئذ علاقة جيش بمقاومة، وإنّما علاقة جيش نظاميّ بجيش نظاميّ آخر.
"المقاومة" كما هي حاضرةٌ في لبنان اليوم تريد الجمع بين امتيازين: إمتياز كونها حركة مقاومة متفلّتة من القيود التي تفرض عادة على بنية وحركة الجيش النظاميّ، وامتياز كونها جيشاً نظاميّاً مهموماً بتكريس طابعه الرسميّ. ليس ذلك إلا انعكاساً للطبيعة المتناقضة لمشروع فئويّ من ناحية، وشموليّ من ناحية أخرى.
من هنا نظرة مزدوجة إلى "طاولة الحوار" بحدّ ذاتها. فالإصرار على "حصر" النقاش بالطاولة يفيد أن الطاولة حاجة لدى "حزب الله"، وإن كانت حاجة مشروطة بالقدرة على إبعاد المسألة "الدفاعية" أو "السيادية" عن المجتمع المفتوح. أمّا الإصرار على "حصر" النقاش على الطاولة بما هو "دون السلاح" منزلةً فيعود ليكشف في المقابل عن توجّس أصليّ من طبيعة "طاولة الحوار" نفسها.
وهذا يعكس إلى حد ما حقيقة الأمور. فمن ناحية تكرّس "طاولة الحوار" بمجرّد وجودها الطابع الخلافيّ لـ"المقاومة" وسلاحها حتى لو لم تستطع هذه الطاولة التطرق الى هذا الموضوع بشكل مباشر ومنهجيّ ومجدٍ. ومن ناحية أخرى توجد هذه الطاولة غطاء حمائياً تبريرياً يقي لبنان عامةً من أعباء المطالبة الدولية بتنفيذ مندرجات القرار 1559، ويقي "حزب الله" ضمناً. وبدلاً من تصوير لبنان الدولة في موقع "العجز" عن الإقتراب من الموضوع، وبدلاً من إرهاقها بالمسؤولية الجماعية عمّا يقوم به "حزب الله"، تسمح طاولة الحوار بتضييع هذه المسؤولية الجماعية، فتظهر الدولة بمظهر "المحتضنة" لـ"حزب الله" وإن يكن "غير مصادقة تماماً" لما يرتئيه في حسابات الحرب والسلم الإقليمية، ويظهر قرار اللبنانيين "غير مصادر" من قبل "المقاومة"، وفي الوقت نفسه غير قادر على التفلّت من الواقعية بإزاء وجود هذه "المقاومة". بالنتيجة تعطي "الطاولة" صورة جماعية عن اللبنانيين أنّهم منهمكون في إدارة حوار داخليّ، ويجب أن ينتظر العالم أجمع وبفارغ الصبر تصاعد الدخان الأبيض ولو بعد مئة عام.
الأمر نفسه يقاس بالنسبة إلى طبيعة علاقة "الطاولة" بـ"المؤسسات". من ناحية تبرز "طاولة الحوار" كإطار قادر على التداول "المؤسساتي" في المسائل الخلافية الأساسيّة. ومن ناحية مقابلة تبرز "الطاولة " كمؤسسة غير مبرّرة دستورياً، ومناقضة لشروط الديموقراطية البرلمانية التي يقرّها الدستور نظاماً سياسياً للبنان.
هذه الطبيعة المزدوجة لـ"طاولة الحوار" هي التي تحاول قوى 8 آذار اليوم اختزالها في نظرية "الحصرَين": حصر الإستراتيجية الدفاعية بالطاولة دون المجتمع المفتوح، وحصر الإستراتيجية الدفاعية على الطاولة بكل ما لذّ وطاب من دون السلاح.
هذا لأنّ الطبيعة المزدوجة لـ"طاولة الحوار" هي طبيعة تكبيليّة سواء للقرار "التعبويّ" أو "الهجوميّ" على لبنان من جانب أعدائه أو أعداء "حزب الله"، وسواء للقرار "التعبويّ" أو "الهجوميّ" من لبنان من قبل "حزب الله". الطاولة، كما القرار 1701، هي إطار تكبيليّ للهجوم من وعلى لبنان. التكامل بين "الطاولة" وبين القرار 1701 يشكّل مشكلة بالنسبة إلى حريّة حركة السلاح.
عندما تكون "المقاومة" في وارد الإكتفاء بتحسين شروط الدفاع، بما في ذلك تحسين شروط سحب الذرائع من العدوّ، فإنّها تجد مصلحة كبيرة في الإنخراط بـ"طاولة الحوار" أو في الإحتماء بالقرار 1701.
وعندما تجد "المقاومة" نفسها في وارد التفلّت من كل قيد، وإبقاء جهوزيّتها هجوميّة ودفاعية في آن، فهذا يعني أنّها لا تجد مصلحتها في "الطاولة" بحدّ ذاتها، وإنّما بتكبيل هذه الطاولة: أوّلاً بفصلها عن المجتمع المفتوح، وثانياً بالتعتيم عليها عندما تنعقد.
من هنا يمكن التعامل مع أسلوب تعاطي "المقاومة" مع طاولة "الحوار" كمؤشّر يدخل في حسابات الحرب والسلم الإقليميين. وهذا إن دلّ على شيء فعلى وجوب ألا يقتصر النقاش بـ"طاولة الحوار" بل أن تكون الطاولة بحدّ ذاتها، موضعاً للنقاش في المجتمع المفتوح.
ثم من قال إنّ النقاش تحريض وتجريح؟ يمكن المناقشة من دون تحريض. يمكن المناقشة باتزان وروية وبالحجّة في مقابل الحجّة حتى لو شمل ذلك اللبنانيين جميعاً. يمكن النقاش بالمسائل الدفاعية والسيادية على كل صعيد، خصوصاً إذا ما ارتبط توسيع النقاش بتوسيع مدارك ثقافة الحوار، وإذا ما أخرج النقاش حول "سلاح حزب الله" من المستوى "السياسويّ" الضيّق إلى مستوى أرحب، مستوى لا يعود يقاس بدرجة "توتّر اللفظ"، وإنّما يصير يقاس بدرجة النفاذ إلى الإشكالية المركزية على جدول أعمال اللبنانيين: وهي إختلال العلاقات بين طوائفهم نتيجة "اللاتكافؤ الأمنيّ"، ونتيجة الطابع "التدخّلي الأجنبيّ" الذي يسند هذا "اللاتكافؤ الأمنيّ".