"إن الإمارات ستعبُر بحراً من الدماء للوصول إلى الجزر"، هذا الكلام الدموي عمره بضع سنوات وقائله منظر الجمهورية الإيرانية ورئيسها الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، وهنا لا بد لنا من معرفة أن لا فرق هنا بين إيراني "إصلاحي" أو "محافظ متشدد" في كل ما يتعلق بالعرب، فما بين الأعوام 1971 – 2006 تكسّرت كل المحاولات التي قامت بها الإمارات العربية والمنظمات الإقليمية والدولية لحل أزمة الجزر العربية الإماراتية الثلاث.. وقد تفتح إجابة عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي على سؤال وجه إليه من ضمن الأسئلة التي وجهت إليه في المجلس الوطني الاتحادي الذي يناقش موضوع سياسة الوزارة حول وضع الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التي تحتلها إيران، قد تفتح هذه الإجابة وتشبيه الوزير الإماراتي الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية جبهات من نيران التهم على الإمارات ووزيرها، وواقع الحال أن الاحتلال احتلال لا دين ولا عرق ولا هوية له..
وبالطبع الفضل الإيراني سابق في الردود العنيفة على الإمارات لمجرد مطالبتها في استرداد أرضها المحتلة، بل بلغ حد الطلب من الإمارات التوقف عن إثارة أية مطالب إقليمية في المحافل الدولية! في عهد الشاه رضا بهلوي الحليف الاستراتيجي السابق لإسرائيل وأميركا، احتلت إيران الجزر في 30 تشرين الثاني عام 1971، مختلسة لحظة استراتيجية سجلت انسحاب المستعمر البريطاني وإعلان استقلال الإمارات، وتجاهلت أن التاريخ يؤكد أن الجزر عربية، وأن غالبية سكانها عرب ينحدرون من القبائل العربية، وأن المستعمر البريطاني عندما فرض حمايته على إمارات الخليج العربي أقر بأن الجزر تابعة لتلك الإمارات، فجزيرة أبو موسى كان يقطنها قبل احتلالها حوالي 1500 نسمة من العرب، وفيها مسجد وقصر لنائب حاكم الشارقة ومدرسة ابتدائية تتبع للشارقة، وطنب الكبرى تابعة لإمارة رأس الخيمة، وسكانها حوالي 700 نسمة، وفيها مدرستان ومنارة لإرشاد السفن، وطنب الصغرى هي الأخرى تتبع إمارة رأس الخيمة. هذه الجزر الإماراتية الثلاث كانت السيادة والسيطرة الفعلية عليها لتلك الإمارات.
وفي 9 كانون الأول 1971، عقد مجلس الأمن جلسة خاصة للنظر في قضية الاحتلال الإيراني للجزر العربية الثلاث، باعتباره عدواناً منافياً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحق الجوار، لكن الفشل كان حليف تلك الجلسة، وفي الدورتين الـ47 والـ48 للجمعية العامة للأمم المتحدة عامي 1992 و1993 تطرّقت كلمات بعض الوفود العربية والأجنبية إلى احتلال إيران للجزر الثلاث، وقد ظلّت الجامعة العربية منذ الاحتلال تؤكد عروبة الجزر العربية، وتؤكد وقوفها إلى جانب الإمارات، لردّ حقّها المغتصب.
والجزر الثلاث لا تقل أهمية موقعها الاستراتيجي عن موقع جزيرة هرمز التي تطل على ساحل المضيق، وبالنسبة الى الثروة، فإن النفط قد ثبت وجوده في جزيرة أبو موسى وطنب الكبرى، لذا الأزمة شائكة، وأمن الخليج العربي لم يعرف الاستقرار منذ عام 1979، وفي حل أزمة الجزر الثلاث ضمان لتقاسم السيطرة على المضيق المؤثر نفطياً واستراتيجياً بين إيران والإمارات صاحبة الجزر، وهذا يعني ضمان أمن تدفق النفط عبر هذا المضيق الاستراتيجي الذي تقع الجزر عند مدخله في الخليج العربي ومن يسيطر عليه تصبح له اليد الطولى على إمدادات النفط، وترفض إيران لأنها منذ زمن بعيد تحلم بالسيطرة على دول الخليج العربي، الذي تحتجّ على مجرّد تسميته بالعربي، أرضاً وبحراً وجواً ونفطاً ومنه تتمدد باتجاه العالم الإسلامي كله..
ولكن، في دوّامة هذا الاحتلال الطويل للجزر الإماراتية، وسط عدم اكتراث دولي أميركي وأوروبي وعجز عربي خليجي معتاد، 39 عاماً من احتلال إيراني لموقع استراتيجي، أليس الموقف الأميركي يستدعي التساؤل، خصوصاً وأن تهمة عرب الاعتدال الدائمة التبعية للأميركي والتواطؤ مع الإسرائيلي؟! ألا يحتاج هذا السؤال الذي يمتد على مدى ما يقارب أربعين عاماً إلى البحث عن إجابة؟ وإلى أي مدىً تملك أسماء تستحق الاحترام أكاديمياً وعلمياً مفاتيح الإجابة عما يُحير الكثيرين: هل هناك تفاهم وتواطؤ "إيراني – أميركي – إسرائيلي" تجري مياهه من تحت أرجل الدول والشعوب العربية، أم أن بعض الأسماء المحترمة بالإمكان أيضاً اتهامها بالتآمر حتى لو كان كشفها عن "تحالف إيراني – أميركي – إسرائيلي" مذيلاً بالوثائق.. أحد هؤلاء الأسماء هو "تريتا بارسي" أستاذ في العلاقات الدولية في جامعة "جون هوبكينز"، ولد في إيران و نشأ في السويد و حصل على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية ثم على شهادة ماجستير ثانية في الاقتصاد من جامعة "ستوكهولم" لينال فيما بعد شهادة الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة "جون هوبكينز" في رسالة عن العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية.
وتأتي أهمية الكتاب في إماطتها اللثام عن العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية خلال الخمسين سنة الماضية وتأثيرها في السياسات الأميركية وعلى موقع أميركا في الشرق الأوسط. ويُعتبر هذا الكتاب الأول منذ أكثر من عشرين عاماً، الذي يتناول موضوعاً حسّاساً جداً حول التعاملات الإيرانية – الإسرائيلية والعلاقات الثنائية بينهما، ويستند الكتاب إلى أكثر من 130 مقابلة مع مسؤولين رسميين إسرائيليين وإيرانيين وأميركيين رفيعي المستوى ومن أصحاب صنّاع القرار في بلدانهم، إضافة إلى العديد من الوثائق والتحليلات والمعلومات المعتبرة والخاصة.
> غداً 2/4: ما بين إيران و إسرائيل: نزاع استراتيجي قابل للحلّ وليس صراعاً أيديولوجياً.