بعدما بات الأمن القومي الأميركي مرتبطاً بحل النزاع في المنطقة
هل ينجح أوباما في الضغط على إسرائيل ؟
في معلومات لمصادر ديبلوماسية ان ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما باتت مقتنعة، بمعظم اركانها، ان لا سبيل الى حماية المصالح الاميركية في المنطقة ولا كسب صداقة العالم العربي والاسلامي الا بتحقيق سلام شامل وعادل، هذا السلام الذي تعرقل اسرائيل بلوغه حتى وإن ألحقت بموقفها هذا ضرراً بالمصالح الاميركية الاستراتيجية في المنطقة.
واستنادا الى هذه المعلومات، تركز ادارة الرئيس اوباما جهودها على تحقيق السلام الشامل في المنطقة في اطار قيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة والاستمرار، وهذا يتطلب تدخلا حازما لحماية المصالح الاميركية في المنطقة خصوصا بعدما تبين ان اسرائيل ليست دائما ضامنة لهذه المصالح، كما تدخلت سابقاً عندما وضعت حدا للعدوان الثلاثي على مصر، وعندما ارغمتها على حضور مؤتمر مدريد، وكذلك عندما منعت اسرائيل من اجهاض تحالف قادته اميركا لاخراج الجيش العراقي من الكويت اثر اجتياحه لها عام 1990، وعندما طلبت وقف الغارات الجوية على بيروت عام 1982، وهي تمنعها حتى الآن من توجيه ضربة عسكرية الى ايران بدون ضوء اخضر منها. كل هذا يدل على ان الولايات المتحدة الاميركية تملك في المحطات الاستراتيجية والمفصلية، حمايةً لمصالحها، القدرة على الضغط على اسرائيل، وان المؤسسة العسكرية الاميركية هي التي تتحكم بقرار البيت الابيض عندما تصبح هذه المؤسسة بقادتها وجنودها في خطر، فضلا عن الخطر الآخر المتصل بالمصالح الاميركية في العالم، وهو ما كوّن رؤية سياسية للادارة الاميركية وللمؤسسة العسكرية لحماية المصالح الاميركية حتى ولو تعارضت مع المصالح الاسرائيلية. هذه الرؤية تقضي بحل الصراع الاسرائيلي على اساس قيام الدولة الفلسطينية الذي يشكل قيامها منطلقا لتحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة يحمي مصالح الجميع ويوفر الوسائل الناجعة لمكافحة الارهاب والتطرف واعمال العنف ويقوي الانظمة المعتدلة ويسهل ايجاد الحلول لكل المشكلات في منطقة الشرق الاوسط وكل منطقة في العالم بما فيها مشكلة التسلح النووي.
لقد قال وزير الخارجية الاميركي سابقا هنري كيسينجر المعروف بتعصبه اليهودي: "قد يحتاج الامر منا الى التدخل مباشرة لحماية اسرائيل من نفسها"، وهذا ما تسعى ادارة الرئيس اوباما الى فعله، الا اذا اخطأت اسرائيل في حساباتها فعملت ضد نفسها بالاصرار على الاستمرار في بناء المستوطنات وعرقلة العودة الى طاولة المفاوضات، وهو موقف يستغله خصوم الولايات المتحدة الاميركية وعلى رأسهم ايران، وذلك باظهار تعاطفها واهتمامها بالقضية الفلسطينية، وبالقول انها ستظل تدعم كل عمل مقاوم ونضال مسلح ضد اسرائيل، وبمنع اي تسوية للقضية الفلسطينية التي تمسك ايران بورقتها، وان تستمر في تحالفاتها مع كل دولة عدوة لاميركا واسرائيل وفي انشاء الخلايا النائمة حيث يمكنها ذلك، وأن تستمر ايضا في التوسع ومد نفوذها في المنطقة وفي بناء قدرتها النووية من دون التأثر بأي عقوبات لم تستطع اميركا فرضها عليها حتى الآن بسبب موقفي روسيا والصين.
وتعتقد المصادر نفسها ان الرئيس اوباما بعدما ربح معركة النظام الصحي ووقع معاهدة "ستارت 2" مع روسيا، استعاد ثقة الاميركيين به، خصوصا بعدما بدأ الاقتصاد الاميركي يخرج من الازمة المالية، وبات قادرا على ايجاد تسوية لأزمة الشرق الاوسط، اذ من دون ايجاد هذه التسوية، فان القادة العسكريين الاميركيين يعتبرون ان ذلك يشكل خطرا على الجيش الاميركي وعلى المصالح الاميركية، وهذا يعلن للمرة الاولى. في حين كان "اللوبي" اليهودي يسعى دائما لدى الادارة الاميركية الى اقناعها بأن مصلحة اسرائيل تتماشى مع مصلحة اميركا، واذا بهذه الادارة ترى خلاف ذلك، وهو ان سياسة اسرائيل في المنطقة اخذت تضر بمصالح اميركا، وهذا ما يؤكده قائد القوات الاميركية في المنطقة ديفيد بترايوس ورئيس الاركان الاميركي مايكل مولن الذي قال في تقرير له: "ان موقع اميركا وصدقيتها اصبحا على المحك بسبب الصراع العربي – الاسرائيلي وعدم تمكن اميركا من التأثير على اسرائيل" بعد القول ان عدم احراز تقدم في التسوية حول فلسطين يعرّض القوات الاميركية والمصالح الاميركية في المنطقة للخطر.
الواقع، ان الوضع بدأ يتغير داخل الولايات المتحدة الاميركية وخصوصا بعد ظهور "لوبي" جديد، والرأي العام اليهودي فيها بدأ ينقسم ويحدث تضعضعا، بحيث بات "اللوبي" الاسرائيلي اليميني "ايباك" في حالة دفاع عن النفس بعدما كان في حالة هجوم، وهناك انتقادات علنية بدأت داخل اميركا للمواقف الاسرائيلية المتشددة والمتطرفة والمعرقلة للتسوية جعلت هذا "اللوبي" يقوم بجمع تواقيع من الكونغرس الاميركي على عريضة تدعو الى "حل حبي" في الخلاف الاميركي – الاسرائيلي الراهن، وبات ما يقوي موقف الرئيس اوباما في المواجهة مع اسرائيل هو انقسام اليهود الاميركيين بين "لوبي" يهودي جديد اسمه "جاي ستريت" مساند لاوباما ولجهود احلال التسوية و"اللوبي" اليهودي "ايباك".
وفي استطلاع اجري اخيرا بين يهود اميركا سئلوا فيه الى جانب من تقفون: اوباما ام نتنياهو؟ كانت النتيجة لمصلحة مواقف اوباما. يضاف الى ذلك ظهور تحول للاميركيين غير اليهود الذين كانوا متعاطفين مع اسرائيل، اذ بدأ هؤلاء يتفهمون حقيقة القضية الفلسطينية بعدما اطلعوا عليها، ويرون ان مصالح اسرائيل لا تتماشى دائما مع مصالح اميركا. كل هذا يصب في مصلحة الرئيس اوباما الذي اخذ يكتشف قوة عضلاته، فهل يستعملها؟
ان دولا عربية، في رأي المتابعين لتطورات عملية السلام في المنطقة، لا تزال تراهن على صحوة اسرائيلية عاقلة وعلى موقف اميركي جدي استجابة للمصالح الحيوية والاستراتيجية الاميركية، فتضع حدا لتصرفات حكومة نتنياهو المتهورة لئلا تواجه المنطقة حربا مدمرة تنعى نهائيا عملية السلام.
يقول الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس في مقال له: "ان طريق تأسيس دولة واحدة، متعددة الطيف طريق غامض وهو يعزز احتمال تخليد الصراع (اقتراح الرئيس القذافي)، فقد عانى لبنان الامرّين من جراء سفك الدماء وعدم الاستقرار فيه، وهو بلد يمثل مثالا واحدا فقط على ما يمكن ان يحل من خراب لبلد تكون هذه طبيعته. اما حل الدولتين فصعوباته لا تحصى لكنه يبقى الحل الواقعي الوحيد لانهاء الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. ويرى معارضو هذا الحل انه بعد قيام الدولة الفلسطينية، فان الجزء الاوسط من اسرائيل سوف يكون ضعيفا تماما، بحيث لا يمكن ضمان امن مواطني اسرائيل. هذا واقع، ولكن امن اسرائيل لا يتمثل فقط في الدفاع الجغرافي بل في السلام. فالشعب اليهودي يريد ويستحق العيش في سلام على ارضه، ويريد الشعب الفلسطيني ويستحق ان يعيش على ارضه وان ينعم بمؤسساته السياسية وحق تقرير مصيره، وانه لمن الضروري لهذه القضية ان تؤسس على العيش المشترك بين اليهود والعرب والتعاون في مجالات مثل الاقتصاد والسياحة والبيئة والدفاع وذلك من خلال منح كل شعب دولته وحدوده وتمكين المواطنين من الصلاة بحسب ايمانهم وزراعة ارضهم والتحدث بلغاتهم وحراسة تراثهم، والعمل على ازدهار هاتين الدولتين، وربما في يوم من الايام سوف يختار الاسرائيليون والفلسطينيون كما في اوروبا عدم السماح للحدود بإعاقة التعاون الاقتصادي او ان تشكل سببا للحرب".
ولم يكن رئيس وزراء اسرائيل السابق ايهود اولمرت في مقال له ايضا بعيدا من افكار الرئيس بيريس حول كيفية تحقيق سلام دائم في المنطقة وذلك باقتراحه العودة الى نقاط تفاهم كانت قد تمت بين رئيس الوزراء الاسرائيلي سابقا ارييل شارون والادارة الاميركية وتضمنت الآتي:
"- لن يتم بناء مستوطنات جديدة.
– لن يتم تخصيص اراض جديدة او مصادرتها من اجل بناء المستوطنات.
– يجب ان تتم اي اعمال انشاء في المستوطنات داخل حدود البناء الحالية.
– لن تقدم حوافز اقتصادية تشجع على التوسع في بناء المستوطنات.
– سيتم تفكيك اي مواقع غير مصرح بها بنيت بعد آذار عام 2001".
ويرى اولمرت "ان هذه النقاط تشكل قاعدة عمل وتوازنا مناسبا يسمح بوجود العناصر الاساسية للاستقرار والحياة الطبيعية للاسرائيليين الذين يعيشون في مستوطنات حتى يتحدد مصيرهم في اتفاق على وضع دائم، وهذا يساعد على تنفيذ حل الدولتين".
وعن العلاقات الاميركية – الاسرائيلية يقول: "ان شراكة اسرائيل مع الولايات المتحدة هي احد اهم ارصدتها الاستراتيجية، فهي تقدم لاسرائيل مساعدات امنية واقتصادية مهمة وتمنحها تأييدا دوليا لا يقدر بثمن في الساحة الدولية. ووسط التقارب الاميركي الذي بدأه الرئيس اوباما مع العالم العربي والاسلامي، من المهم عدم التقليل من قيمة الطبيعة التي تتميز بها العلاقات الاميركية مع اسرائيل على جميع المستويات وفي معظم القضايا التي رتّبت مع الرئيس جورج دبليو بوش وذلك بالاعتماد على نقاط تفاهم عميقة وسرية مكتوبة وشفهية، اذ قدمت اميركا بموجبها دعما غير مسبوق لصراع اسرائيل ضد الارهاب الفلسطيني ولاقامة اسرائيل الحاجز الامني، ووضعنا معا تصورا لـ"حل الدولتين" كونه الطريقة الوحيدة لانهاء الصراع وذلك بتبني "خريطة الطريق" وتنفيذها".
لقد بات الرئيس اوباما مقتنعا بان حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني مسألة امن قومي لاميركا، وهذا ما جعله يقرر الاشراف بنفسه على السياسة المتعلقة بالشرق الاوسط، كما جعل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تطالب نتنياهو بخطوات صعبة لتحريك السلام وتدعو العرب الى تفعيل المبادرة العربية لتسهيل المفاوضات. فهل تنجح ادارة الرئيس اوباما في التوصل الى تحقيق سلام شامل في المنطقة يحل كل المشكلات فيها، ام تبقى اسرائيل بعناد القادة المتشددين فيها، هي المشكلة التي لا حل لها؟!