مشهد جديد للمنطقة بعد دخول طهران النادي النووي
الكباش الدولي ـ الإيراني: تسوية كبرى أم انفجار شامل؟
هل ينجح تحرك الديبلوماسية التركية ممثلة بوزير الخارجية أحمد داود أوغلو لدى طهران سعياً إلى حلّ ديبلوماسي للملف النووي الإيراني، في وقت يزداد الخطاب الغربي، والأميركي خصوصاً تصلباً تجاه ما يعتبره خطراً إيرانياً يهدد السلام العالمي إذا ما امتلكت إيران سلاحاً نووياً؟
فواشنطن التي تحشد تأييداً دولياً لعقوبات جديدة على إيران، أعلنت أن كلّ الخيارات مفتوحة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني، من دون أن تلغي خيار الديبلوماسية. بالتوازي كشفت تقارير أميركية أن وزير الدفاع روبرت غيتس وجّه قبل أيام مذكرة إلى البيت الأبيض تتضمن تحذيراً من أن وزارته مع جهاز الأمن القومي لا يملكان استراتيجية فعّالة للتعامل في مواجهة تقدم إيران المطّرد نحو بناء قدرات نووية، في وقت أعلن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أن بلاده تمتلك قدرات عسكرية تمكّنها من ردع أي هجمات تتعرض لها. فهل تمهّد المبالغات اللغوية من طرفي المعادلة، الاميركية الإيرانية، لانفجار كبير لهذا الملف أم لتسوية شاملة له؟
وتفيد مصادر متقاطعة أن مجموعة "5+1"، أي الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن وألمانيا بدأت تتداول مسودات تتعلق بنص قرار مرتقب حول العقوبات التي تنوي بعض هذه الدول فرضها على ايران، لكن لا أحد يعرف إلى الآن ما هي طبيعة الإجراءات العقابية التي يمكن أن تتوافق عليها هذه الدول، وسط توقعات بألا يكون من السهل التوصل إلى "إجماع" داخل مجلس الأمن بهذا الشأن سريعاً، خصوصاً وأن روسيا والصين لا تزالان غير متحمستين للعقوبات، وتفضلان إبقاء باب الخيار الديبلوماسي مفتوحاً أمام إيران. وذلك في ظل توقعات بألا تتوضح الصورة النهائية لهذه الاتجاهات، سلباً أم إيجاباً، قبل شهر حزيران المقبل، ذلك أن المسعى الأميركي لتحقيق الإجماع دونه حسابات روسية وصينية، وأخرى من دول ذات عضوية غير دائمة في مجلس الأمن كلبنان وتركيا والبرازيل، تتصل بطبيعة الحراك القائم في المنطقة من جهة، وبأخرى تتصل بأمنها واستقرارها الداخلي، أم الأمن الإقليمي من جهة ثانية، وكل ذلك يعرض مشروع القرار المحتمل لاستخدام حق الفيتو أو الامتناع عن التصويت بشكل يحرمه من "الأنياب" وتسلبه قوته التنفيذية.
وفي الطريق إلى ما ستكشفه الأسابيع القليلة المقبلة، حول طبيعة الإجراء الدولي بحق إيران، تطرح دوائر ديبلوماسية وسياسية واستراتيجية إشكاليتين تتصلان بالأزمة الإيرانية مع المجتمع الدولي.
خيار عسكري أم عقوبات اقتصادية؟
الإشكالية الأولى هي هل يقدم الغرب على تبني الخيار العسكري تجاه إيران؟
وفي الإجابة عن هذا السؤال، تؤكد أوساط متابعة أن استمرار الجمود في الملف النووي الإيراني وعدم التوصل إلى حلول ديبلوماسية فاعلة سيزيدان من احتمالات الحرب، بعدما انتهت مرحلة اليد الممدودة التي تبنّتها إدارة الرئيس باراك أوباما مطلع العام 2009، لتبدأ مرحلة فرض عقوبات اقتصادية فاعلة. وهذا ما يُفسر على انه الخيار الأخير الذي يسبق خيار الحرب، مع ترجيح العمل العسكري المحتمل في مدى زمني قريب. ويرى أصحاب هذا الرأي أن مجرد بدء التداول علانية بالخيار العسكري، كفكرة للنقاش، يعكس درجة التشاؤم المتزايدة في الأوساط الأوروبية والأميركية إزاء تطورات المواجهة المتصاعدة مع إيران.
ويشدد أصحاب هذا الرأي على الإسراع في اعتماد الخيار العسكري للحد من تنامي القدرات النووية العسكرية لايران، وقطعاً للطريق على الجمهورية الإسلامية لفرض أمر واقع على المجتمع الدولي إذا ما نجحت في صنع القنبلة النووية، لأن من شأن ذلك إرساء معادلة استراتيجية جديدة على مستوى المنطقة، بما تعنيه من محاذير ومخاوف عدّة منها ما يتصل بما يعتبره الغرب خطراً وجودياً على إسرائيل، أو خطر تهريب رؤوس نووية إلى منظمات أصولية في المنطقة، أو حتى فرض سباق تسلح نووي بين دول المنطقة. ويرى أصحاب هذا الرأي ضرورة شن حرب شاملة على إيران لا تستهدف المنشآت النووية فقط، بل البنية التحتية العسكرية والمدنية لإسقاط النظام أو إجباره على تغيير سياساته.
في المقابل، ثمة من يرى أن النظام الإيراني "واقعي" وهو عند المفاصل الحرجة سيكون "براغماتيا" للحؤول دون استدراج المجتمع الدولي، أو إعطائه ذرائع، لشنّ حرب عليه، لذلك ترى أطراف أخرى أن الأجدى من الخيار العسكري هو عزل ايران وإنهاك نظامها من خلال عقوبات اقتصادية قاسية تزيد من الانقسامات الداخلية فيها بما يؤدي إلى انهيار النظام.
إيران نووية: حقيقة أم خيال؟
الإشكالية الثانية، هي هل يمكن التأقلم مع حقيقة وجود إيران نووية في المنطقة، مع ما يترتب على هذا الواقع من تبعات استراتيجية وسياسية وإقليمية واقتصادية، وما هي صورة المنطقة بعد إعلان إيران الانضمام إلى النادي النووي؟
وفي هذا الإطار ثمة رأيان، الأول يرى أنه من غير المسموح المضي بالمسألة إلى حين تجد الأسرة الدولية نفسها راضخة لابتزاز إيران ومناوراتها إلى حين دخولها النادي النووي، بما يعنيه ذلك من فرض أمر واقع يزيد من تعقيد المشهد، وأيضاً من صعوبة إعادة التوازن إليه من جديد. فالنظام في طهران، حال امتلاكه السلاح النووي الذي سيشكل ضمانة استمراره، سيعني فرض استمرار النظام بصيغته القائمة إلى أجل غير مسمى واستحالة أي تغيير محتمل، وسيعني تعزيز الهيمنة الإقليمية في أكثر من بقعة في الإقليم عبر "الأذرع" الإيرانية، كما سيعني فرض أجندة اقتصادية وسياسية ونفطية جديدة.
لكن كل ذلك ليس في حسابات القوى الغربية، بل المهم لديها أن إسرائيل لن تعود متفردة بحصرية امتلاك السلاح النووي في المنطقة، وذلك يشكل مخاطر وجودية لها لن يكون من السهل عليها السماح بها.
والرأي الثاني يرى أن الواقعية تقتضي الاعتراف بأن على القيادات العربية التأمل في دراسة احتمالات مستقبل المنطقة في حال توافق المجتمع الدولي، أو تعايش، مع إيران نووية، بما يعنيه ذلك من إعادة ترتيب المنظومة العسكرية والأمنية في الإقليم، وإعادة النظر في الشراكات الأمنية على مستوى دول المنطقة والدول الفاعلة من جهة أخرى.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن إيران ستلجأ إلى طمأنة المجتمع الدولي، بأن سلاحها الجديد لن يستخدم في أي حرب محتملة، لأنها تعي تماماً أن وقوع احتمال كهذا يعني محوها عن الوجود، وهي مع مبالغاتها الخطابية في دعم القضايا المركزية وإدانة الإمبريالية، لن تلجأ إلى دعم أذرعها في المنطقة عبر السلاح النووي، الذي ستكون وظيفته تعزيز الدور الاستراتيجي وفرض توازن جديد على المشهد الإقليمي بكامله. فما تريده طهران هو سلاح نووي لبقاء النظام وتعزيز الموقع والدور وليس لمهاجمة الولايات المتحدة الأميركية أو لتحرير فلسطين.
قد يكون من المبكر الحديث عن تفاصيل مسودة العقوبات التي تناقشها الدول الكبرى، لأن تعديلات ومناقشات كبيرة ستطرأ عليه قبل التوصل إلى صيغتها النهائية، لكن ذلك لا يعفي من دراسة متأنية للخلل الذي سيحدثه اقتناء إيران لسلاح نووي، وهي فرصة تفترض مراجعة عربية جدية لمآلات حالة الفراغ الاستراتيجي على مستوى المنطقة، وتستدعي إعادة قراءة لهوامش المشهد الإقليمي كاملاً وعلاقاته مع الغرب، وخصوصاً المظلة الأمنية الأميركية، كل ذلك بهدف تأمين إعادة تموضع فاعل ومؤثر في الخارطة الإقليمية الجديدة.