"تريتا بارسي" خبير في السياسة الخارجية الأميركية وعدا عن كونه أستاذاً أكاديمياً، يرأس "بارسي" المجلس القومي الإيرانى – الأميركي، وله العديد من الكتابات عن الشرق الأوسط، وحمل كتابه عنواناً لافتاً: "التحالف الغادر: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة الأميركية"، والعنوان لوحده كاف لإحداث ضجيج بحجم ذاك الضجيج النووي الإيراني الذي يشغل العالم…
وحتى لا يستريبن قارئ سواء أكان منحازاً لرأينا أو مخالفاً له، وحتى لا يسوقن أحد ما اتهاماً لنا بتهويمات أو تخرصات، او نتهم بالتحامل على إيران – التي لا يستدعي اختلافنا معها في السياسية ألاّ نكن لها كل تقدير بل وإعجاب على مستوى حضارتها – نسوق أولاً كل التفاصيل المتعلقة بهذا الكتاب: "Treacherous Alliance: By Trita Parsi/The Secret Dealings of Israel, Iran and the United States Publication/Number of Pages: 384/Publisher: Yale University Press/ISBN-13/EAN:/ISBN-10/ASIN:0300120575/Date: 1-10-2007/Price: 35.00$/Binding: Hardcover/978300120578 www.amazon.com"…
يكشف الكتاب ان اجتماعات سرية كثيرة عقدت بين ايران و اسرائيل في عواصم اوروبية اقترح فيها الايرانيون تحقيق المصالح المشتركة للبلدين من خلال سلة متكاملة تشكل صفقة كبيرة، تابع الطرفان الاجتماعات في ما بعد وكان منها اجتماع "مؤتمر أثينا" في العام 2003 والذي بدأ أكاديمياً وتحول لاحقاً إلى منبر للتفاوض بين الطرفين تحت غطاء كونه مؤتمراً أكاديمياً.
يشرح بارسي في كتابه العلاقة الثلاثية بين كل من إسرائيل، إيران وأميركا كما يشرح الآلية التي تتواصل من خلالها حكومات الدول الثلاث بل وتعقد من خلالها الصفقات السرية والتعاملات غير العلنية بغية تحقيق مصالحها…
وأول ما قد يتبادر إلى ذهن أي قارئ عادي أو مُتابع لخطاب نجاد الشعبوي الملتهب الذي وصل الى حد "زوال إسرائيل"، يعتبر بارسي هذا الجزء من الخطاب الإعلامي "إستهلاكي" لحال العداء الظاهر في ما بينها. وبحسب بارسي إن إدراك طبيعة العلاقة بين هذه المحاور الثلاثة يستلزم فهما صحيحا لما يحمله النزاع الكلامي الشفوي الإعلامي، ويفسر الكاتب هذا النزاع الكلامي على أنه من ضمن إطار اللعبة السياسية التي تتبعها هذه الأطراف الثلاثة، ويعرض بارسي في تفسير العلاقة الثلاثية لوجهتي نظر متداخلتين في فحصه للموقف بينهم:
أولاً: الاختلاف بين الخطاب الاستهلاكي العام و الشعبوي "الأيديولوجيا"، و بين المحادثات والاتفاقات السرية التي يجريها الأطراف الثلاثة غالباً مع بعضهم البعض "الجيو-استراتيجي".
ثانياً: يشير إلى الاختلافات في التصورات والتوجهات استناداً إلى المعطيات الجيو- استراتيجية التي تعود إلى زمن معين و وقت معين.
والمحصلة النهائية لوجهات النظر المتعارضة هذه بين "الأيديولوجية" و"الجيو-استراتيجية" هي الأخذ بعين الاعتبار إلى أن المحرك الأساسي للأحداث يكمن في العامل "الجيو- استراتيجي" وليس "الأيديولوجي" الذي ليس أكثر من وسيلة أو مجرد رافعة.
بمعنى ابسط، يعتقد بارسي أن العلاقة بين المثلث الإسرائيلي – الإيراني – الأميركي تقوم على المصالح والتنافس الإقليمي والجيو-استراتيجي وليس على الأيديولوجيا والخطابات والشعارات التعبوية الحماسية…
وبالاستناد إلى الكاتب والكتاب، وعلى عكس التفكير السائد أو الساذج الذي نظنه نحن، فإن كلاً من إيران وإسرائيل لا تخوضان صراعاً أيديولوجياً – كما تحاول أن توحي به الجمهورية الإيرانية للبسطاء في العالم العربي الذين تدغدغ عواطفهم باللعب على الوتر الديني – بل هما تخوضان نزاعاً استراتيجياً قابلاً للحل، و يكشف الكتاب الكثير من التعاملات الإيرانية – الإسرائيلية السرية التي تجري خلف الكواليس، كما يؤكد الكتاب في سياقه التحليلي إلى أن أحداً من الطرفين (إسرائيل أو إيران) لم تستخدم أو تطبق خطاباتها النارية، فالخطابات في واد والتصرفات في واد آخر مغاير للمشهد الظاهر.
> غداً 3/4: نظرية الـ superior والتفوّقيْن الإيراني والإسرائيلي.