شكل إضراب النقل العام النسبي أمس حكاً نوعياً على جرح العمال والموظفين من ذوي الدخل المحدود، ليس لأن هؤلاء يتطلّعون الى «ترف مطلبي» عندما يثيرون هموم وتراكمات أسعار المحروقات، بل لأن غالبية اللبنانيين لم تشعر الى الآن أنها تلحس المبرد من خلال تجاهل أسباب منع مقاربة الضرائب والرسوم لأسباب سياسية – مذهبية ومناطقية، فيما لا ترى السلطة التنفيذية ومعها السلطة التشريعية بدا من الاتكال على ما توفره المحروقات من مداخيل للدولة في زمن عز التشريع السليم؟!
لقد أسمع من أضرب أمس احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات «من كانوا أحياء في سدة المسؤولية بل «لو كان من أحياء في السلطة» والمقصود هنا أن هناك موافقة ضمنية وجارحة من قبل ممثلي من أضرب ومن طالب ومن أثار هواجس لقمة العيش» وهي الموافقة التي تحول دون فرض رسوم وضرائب على مواد وسلع أخرى تكفل للدولة تأمين المداخيل البديلة اللازمة، ولو حصل الغرض المشار إليه لما كانت حاجة الى إضراب وقطع طرقات!
في الذاكرة، ان سلطة أيام زمان، أيام الخير والبركة عندما كانت تفكر في رفع سعر البنزين بمعدل اثنين في المئة، كانت تعرف مسبقاً أن تدابيرها ستقابل برد فعل سلبي سياسي وشعبي، فيما الحاصل اليوم أن من هم في السلطة غير قادرين على التحكم بقرار الضريبة لمجرد أن هناك جهات، جاهزة للنزول الى الشارع وربما استخدام السلاح، بذريعة «مواجهة التسلّط»، ولا حاجة عندها لسؤال او لاستغراب الأسباب والموجبات التي تمنع كبح الأسعار في سوق المحروقات!
وفي حال كان اصرار على القول إن بعض من في السلطة لم يعد يشبع من أكل الأخضر واليابس، من الضروري استنفار العارفين بالزلع والبلع كي لا يسري مفعول الاتهام على من يأكل وعلى من يتجاهل الحاصل على الارض، خصوصاً أن النتائج تقتصر على الحاق الأذى بالعمال والموظفين من أصحاب الدخل المحدود، وحيث لا مجال في المقابل لمطالبة الدولة بتوفير بدائل الحد الأدنى ومنها تحسين الرواتب والأجور في القطاع العام، حيث النظرة السائدة الى عمال وموظفي هذا القطاع أنهم في مقدمة المتسببين بإنهاك مالية الدولة وسمعتها (…).
في آخر جلسة لمجلس الوزراء (أول أمس) كلام منمق على «التعاطي بإيجابية مع مطالب العمال والموظفين والمستخدمين وذوي الدخل المحدود»، وهو كلام قديم لا فائدة من الاتكال عليه، في ظل «الانهاك السياسي – الامني والاقتصادي المتفاقم» لاسيما أن الدولة ممنوعة من ممارسة دورها في حده الأدنى، فضلاً عن وصول سلطة مجلس الوزراء الى ما يشبه «الكباش» ازاء أي موقف او موقع أم قرار. وهذا يسري مفعوله على كل شيء وعلى ما ليس بوسع أحد الاخذ به جدياً بالنسبة الى الكلام والى الوعود والتعهدات في وقت واحد؟!
والذين يطالبون الدولة بأن تكون دولة يعرفون مسبقاً أن ثمة استحالة أمام السلطة لأن تتصرف بما يكفل نظرتها الى الحكم، بل الى مشروعها ان كان خصخصة او خفض أسعار، طالما أن الخصم الواقف الى جانبها في مجلس الوزراء يمنعها من أن تحكي اللغة التي تجيدها في السياسة كما في الاقتصاد (…) والأنكى إطلاق وعود جديدة بالاتكال على إضراب أوسع وأشمل في 17 حزيران المقبل، من قبل من هم في السلطة بغير قرار سياسي – شعبي ديموقراطي.
في رأي متتبعي التطورات أن الأمور العامة مرشحة لأن تفلت من بين يدي السلطة، حيث لا مجال لمشروع اقتصادي – اجتماعي يتطلب قراراً واحداً ومحترماً. وحيث لا مجال لإعادة نظر واقعية بالنسبة الى مداخيل الدولة من المحروقات او من غيرها. وفي الحالين ستكون للدعوة الى الاضراب والتظاهر في 17 حزيران نكهة سياسية – شعبية مختلفة عن نكهة إضراب قطاع النقل العام أمس. غير أن النتيجة لن تختلف بحرف أقل او برقم أكثر، وهذا محسوب بدقة في مجال الصراع السياسي القائم على مذهبة كل شيء في البلد، حتى ولو اقتضى الأمر النزول الى الشارع في منطقة وعدم الشعور بالاضراب في منطقة أخرى «حيث لا مجال لجمع المنطقتين في سياسة واحدة؟!».
«التعاطي بإيجابية مع المطالب» شيء، وفهم «واقع البلد» شيء آخر يستحيل على أي كان الجمع بين النقيضين إلا في حال الخوض في عمق الأسباب. وهذا الخوض متعذر في المستقبل المنظور طالما ان «الفاجر لايزال يتصرف بمنهجية الساعي الى أكل مال التاجر». وهذا من أبشع المشاهد السياسية السلبية التي من الصعب تخطيها عملياً؟؟