#adsense

فضيحة وزارة الاتصالات: تقارير غبّ الطلب بشأن الاتفاقية الأمنية والوزير نحاس حجب عن النواب تقرير اللجنة… ثم عاد وشكّل لجنة ثانية اعدّت تقريراً كما طلب منها

حجم الخط

كتب المحرر السياسي في جريدة "الشرق": منذ السادس والعشرين من شباط الماضي، يوم اثارة مسألة ما سُمّي بـ"الاتفاقية الامنية"، الموقّعة بين لبنان والولايات المتحدة، والتي تبيّن لاحقاً انها ليست اكثر من "اتفاقية تدريب" ولا تداعيات امنية لها، تمسّ امن الوطن والمواطنين، بدا ان مدبّري الحملة في عجلة من أمرهم، لاثارة بلبلة سياسية – اعلامية، استخدمت كمّا هائلاً من العبارات الانشائية بقصد التأثير النفسي في اللبنانيين، والايحاء بأن امنهم الشخصي وحياتهم الخاصة باتت في "قبضة الاميركيين" فانقسم اللبنانيون، بين مستنكر ومستغرب وداع الى التروّي بانتظار جلاء الحقيقة، التي دخلت دهاليز السياسة التي راحت بعيداً في محاولات متكررة لصياغة "قرار اتهامي" حسب الطلب وحسب المواصفات وحسب الغرض النهائي من "الحملة المفتعلة" لعب فيها وزير الاتصالات شربل نحاس، وقيادات سياسية ونيابية دور المخطّط والمخرج والمنفّذ لتكون النتيجة وفق الطلب، لا وفق الحقيقة… كما دلّت المستندات والوقائع المثبتة…

تغيير غب الطلب
ومنذ اللحظة الاولى، بدا ان المسألة سياسية بامتياز، تستهدف في جملة ما تستهدف المديرية العامة لقوى الامن الداخلي (ومديرها) التي حقّقت نجاحات باهرة في تفكيك شبكات التجسّس الاسرائيلية واعتقال العملاء وملاحقة الآخرين… بدليل انها – اي الحملة – لم تكن قادرة على الوقوف على قدمين ثابتتين من الدقة والمعطيات الرصينة والعلمية القاطعة الدلالة، الامر الذي استوجب اجراء تغيير لجنة فنية بلجنة اخرى صاغت تقريراً يحاكي الغرض المطلوب، ويناقض تقرير اللجنة الفنية الاساس المؤلفة من مهندسين اختصاصيين…

وكانت "الشرق"، ومع تطوّر حملة الافتراء والتجنّي على قوى الامن الداخلي، نشرت بتاريخ 15 آذار الماضي، تقريراً لـ"المحرر السياسي" ورد فيه بحسب المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي ان "الزمن وحده كفيل بتبيان الحقائق وتمييز الصادق من غير الصادق"… ، حيث ان «هناك اناسا افتعلوا هذه الهمروجة الاعلامية السياسية لغايات سياسية… لكن الذي يبدو ان هؤلاء كانوا في عجلة من امرهم، فلم يفلحوا في تحضير "ملف حرزان"، ذلك ان الملف الذي بين ايدينا فارغ و"مش حرزان"… وأنا اكدت امام لجنة الاتصالات النيابية، ان هذا الموضوع، الذي اثار كل هذا الضجيج المفتعل ليس موضوعاً امنياً، وانما هو بكل بساطة، موضوع تدريبي"…

هكذا، وبعد مرور اكثر من شهر واسبوع، يثبت ان "التلاعب" بالتقارير وصياغة تقارير مسبقة الصنع، ونزولاً عند رغبة الزبائن، دليل اضافي على ان المسألة فارغة وهي تحتاج الى ما يكفي للابقاء على ماء وجه مَن افتعل هذه المسألة، بصياغات قراقوشية تسيء الى مُطلقها قبل ان تسيء الى اي احد آخر…

لجنة من اختصاصيين وتقرير
لوقت سابق رأى رئيس "لجنة الاعلام والاتصالات" النيابية النائب حسن فضل الله "ان النقاش في هذه اللجنة، حول ما أسماه "فضيحة الاتفاقية الامنية" سيتخذ منحى حاسماً في ضوء ما سيتوافر من معطيات تقرير وزارة الاتصالات". وبالفعل، اوصت اللجنة بتاريخ العاشر من آذار الماضي، "بتشكيل لجنة فنية من قبل وزارة الاتصالات لدرس ماهية المعلومات المطلوبة ضمن الاستمارة المرسلة من وزارة الداخلية". وقد كان لافتاً جداً، انه في 12/3/2010، اي بعد يومين فقط من توصية اللجنة، و"بتدبير اداري سريع" اصدر وزير الاتصالات شربل نحاس قراراً حمل الرقم 288/1 قضى بتأليف "اللجنة الفنية من: المهندس كمال ابو فرحات (مدير في هيئة اوجيرو ومستشار في وزارة الاتصالات)، الرائد انطوان قهوجي (من قيادة الجيش)، المهندس عبد الله قصير (مهندس في مكتب الخلوي في وزارة الاتصالات).. وطلب منها في القرار عينه" درس الموضوع واعداد تقرير بشأنه وتسليمه في مهلة اقصاها 16/3/2010، اي بعد 4 ايام فقط من صدور القرار.. .

نحاس يحجب التقرير
وبالفعل، وبتاريخ 16/3/2010 رفعت "اللجنة الفنية" تقريرها الى وزير الاتصالات شربل نحاس، وهو تقرير يقع في صفحة وربع الصفحة اشار بالحرف الى "ان المعطيات المطلوبة في الاستمارة الواردة من وزارة الداخلية (ضمن الاتفاقية الامنية) هي معطيات تتعلق بأسماء الابراج والهوائيات ومواقعها وتصنيفها ضمن نموذج اعتيادي للاستمارة تعتمده بشكل تلقائي هيئة تنظيم الاتصالات في الولايات المتحدة (FCC)، وان هذه المعلومات هي جزء بسيط من حجم معلومات اكبر، سبق لوزارة الاتصالات ان زوّدت به هيئات ومنظمات استشارية محلية ودولية، وكذلك بيوتات خبرة وبيوتات استشاريين عديدة اثناء دراسة ملفات الخصخصة، وكذلك لدى جهات واطراف ثالثة… اضافة الى وجودها في دوائر مختلفة في وزارة الاتصالات.. وان هذه المعطيات بمفردها لا يمكن ان يكون لها اي تأثير سلبي بالامن القومي ولا اي محاذير سلبية، وانه لا يمكن الاستفادة منها للتنصّت او التجسّس على شبكات الخلوي، الاّ اذا ارتبطت بأجهزة تقنية متطورة مرتبطة هي ايضاً، وبشكل مباشر ومستديم بالسنترالات العائدة لشركتي الخلوي"…

اضاف التقرير: "ان جزءاً من المعطيات المطلوبة في الاستمارة يمكن الحصول عليها مباشرة من خلال المعلومات المتواجدة على شبكات الانترنت والمتعلقة بشبكات الهاتف اللبنانية".

وخلص التقرير الى القول: "… إلاّ انه لا يوجد اي مخاوف او محاذير جرّاء الحصول على هذه المعطيات بالشكل المطلوب بالاستمارة".

مراجع نيابية وسياسية غير راضية
تسلم وزير الاتصالات شربل نحاس التقرير من اللجنة الفنية، وهو قبل ان يرسله ويسلّمه الى "اللجنة النيابية للاعلام والاتصالات" قام بعرضه على "أهم المراجع النيابية والسياسية النافذة" في ما كان يُسمّى بـ"المعارضة"… فكانت المفاجأة، ان هؤلاء جميعاً ابدوا استياءهم من مضمون هذا التقرير "لأنه لا يفي بالغرض المطلوب، ولأنه لا يتضمن اي انتقاد او تجريم للمديرية العامة لقوى الامن الداخلي التي وقّعت هذه الاتفاقية"… وكان الرأي هو "ضرورة اعادة تشكيل لجنة فنية جديدة اخرى، واعادة صياغة تقرير آخر جديد، بطريقة مختلفة، تتضمن صراحة انتقادات واتهامات ومحاذير اكثر جدية وخطورة…؟!

في الثامن عشر من آذار الماضي، عقدت "لجنة الاعلام والاتصالات" النيابية جلستها الثالثة لهذا الغرض، وكانت مخصصة اصلاً للاستماع الى تقرير اللجنة الفنية، لكن المفاجأة، ان الوزير نحاس اعتذر عن عدم جهوزية التقرير وطلب مهلة اضافية لأيام عدة اخرى لاعادة ارساله… هذا مع العلم ان التقرير (الاول) كان بحوزته وقد اطلع بدقة على مضمونه "الخالي من اي اتهامات".

لجنة فنية ثانية وتقرير جديد
وفي الثلاثين من الشهر نفسه، اي بعد عشرين يوماً من تاريخ التوصية الاولى للجنة الاعلام، وعلى "نحو فاضح يتعارض مع السرعة المثالية القصوى لاصداره قراره الاول، قام وزير الاتصالات بإصدار قرار جديد يحمل الرقم 336/1 ألّف بموجبه لجنة فنية جديدة لاعداد تقرير معاكس للتقرير الاول.. مؤلّفة من: المهندس عماد حب الله (عضو الهيئة المنظمة للاتصالات، مقرّب جداً من الرئيس نبيه بري وشقيقه محمود بري ودائم التواجد في قصر عين التينة)، باتريك عيد (عضو الهيئة المنظمة للاتصالات، مقرّب من الوزير نحاس ويراعي مطالبه الى ابعد الحدود)، المهندس عبد الله قصير (عضو الهيئة السابقة وقريب القيادي في "حزب الله" الوزير السابق عبد الله قصير)، المهندسة ديانا بوغانم (من عناصر مخابرات الجيش، ويُقال انها كانت من المقرّبين الى اللواء جميل السيد ولها دور في العديد من الملفات ايام الرئيس السابق اميل لحود) والمهندس دانيال حماده (متعاقد مع الهيئة المنظمة للاتصالات ووثيق الصلة برئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد).

خلال اقل من ستة ايام على تعيينها، انجزت «اللجنة الفنية» الجديدة تقريرها وسلّمته الى الوزير بتوقيع مقرر اللجنة عماد يوسف حب الله. وفي السادس من نيسان الجاري، ارسل الوزير نحاس الى رئيس لجنة الاعلام والاتصالات النيابية النائب حسن فضل الله التقرير، وهو يحمل الرقم 1527/1/و، ويقع في اربع صفحات فولسكاب، ممهورة بخاتم «سرّي»، مرفقاً بخمسة ملاحق، ممهورة بدورها بخاتم «سرّي»، وهي باللغة العربية والانكليزية..

يوم الإثنين، 13 نيسان الجاري، اعلن النائب فضل الله، انه "يضع اللمسات الاخيرة على تقرير اللجنة الذي سيرفع الى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وهو يتضمّن خلاصة نقاشات اللجنة حول الاتفاقية"… و"هو يعكس نقاشات اللجنة ومختلف الآراء، وقد تم اعتماد التسلسل المنهجي في ترتيب الموضوعات التي نوقشت من الف باء المسألة حتى يائها، وسيرفق بكل المستندات التي سبق وطلبتها اللجنة، التي اتفقت على ان يعهد الامر الى رئيس المجلس النيابي، (الرئيس نبيه بري) الذي يعود اليه تقرير الخطوات التي سيلجأ اليها المجلس النيابي حيال الاتفاقية، التي باتت من الملحّ ايجاد معالجة جذرية لها حماية للسيادة وصوناً للكرامة الوطنية وتحصيناً لمؤسسة قوى الامن الداخلي"…

اسئلة وتساؤلات بالجملة
لم يبقَ الامر سراً، فقد وجّه النائب عقاب صقر عبر رئاسة مجلس النواب، الى الوزير شربل نحاس، سؤالاً جاء فيه: "بما ان موضوع اتفاق الهبة بين الولايات المتحدة وقوى الامن الداخلي اصبح موضع اهتمام وحساسية في شكل استثنائي، وبما ان الظروف والملابسات التي احاطت بالموضوع شكّلت التباسات كبيرة لدى النواب والرأي العام، وبما انني وقّعت على بعض الملابسات المريبة في اداء وزارة الاتصالات… اتوجّه عبر المجلس بسؤال الى الوزير نحاس آملاً في ان احصل على رد الوزير في مهلة الخمسة عشر يوماً"…

واذ يسرد النائب صقر معطياته فقد ختم سؤاله بـ"لقد وصلتني معلومات متواترة لا أستطيع الجزم بصحتها او خطئها، عن ان بعض المهندسين الفنيين في وزارة الاتصالات خضعوا للترغيب والترهيب كي يأخذوا التقرير الى الخلاصة التي انتهى اليها"…

وبانتظار اجوبة الوزير نحاس، فإن السؤال، او الاسئلة التي يمكن اضافتها الى سؤال النائب صقر هي:

– لماذا شكّل الوزير المذكور اللجنة الفنية الاولى ولماذا اخفى تقريرها عن اللجنة النيابية؟

– لماذا شكّل الوزير "اللجنة الفنية" الثانية ووفق اي معايير وما هي الاشتراطات وقواعد العمل التي طلبها لتأتي النتيجة على النحو الذي اثار ريبة النواب وشكوكهم؟

– من هي الجهة او الجهات التي أطلعها الوزير على مضمون التقرير الاول وطلبت اليه حجبه واعداد تقرير آخر بمواصفات معروفة؟

– لماذا رفض الوزير الانصياع الى رغبات النواب بتشكيل لجنة فنية محايدة، مستقلة للتأكد من صحة التقريرين؟ ومن غير تبيان الاسباب؟ وخصوصاً بعدما اثار التقرير الثاني شكوكاً مؤيدة بالادلة والوقائع، داخل لجنة الاعلام والاتصالات النيابية، لأنه جاء مناقضاً تماماً لتقرير اللجنة الفنية الاولى، فسجّل نواب كثيرون اعتراضاتهم؟

اسئلة وأسئلة كثيرة، يصعب تصوّرها في مسألة بالغة الحساسية والدقة… والخطورة… فهل وصل الامر بوزير الاتصالات حدّ اعداد تقارير غب الطلب، وحسب المواصفات المطلوبة لمن يعلو صوته اكثر و(…)؟! وهل صحيح ان الوزير نحاس لعب دور "الفواخرجي" ليركب "اذني الجرة كما يريد"…؟!

انها فضيحة.. فضيحة بكل ما لهذه الكلمة من معنى…

المصدر:
الشرق

خبر عاجل